
نقدم لكم عبر أقرأ 24 رؤية تحليلية تتجاوز لغة الأرقام والموازنات، لتكشف عن الوجع الوجودي الذي ينهش روح الإنسان في لبنان، حيث لم تعد الأزمة مجرد تراجع اقتصادي عابر، بل تحولت إلى عملية قضم ممنهجة لكرامة العيش والرحيل على حد سواء.
سوريالية الانهيار في لبنان: حين يصبح البقاء رفاهية
إن ما يشهده لبنان اليوم هو تحلل كامل للمؤسسات تحت وطأة طبقة سياسية معطلة، مما جرد المواطن من أبسط حقوقه الأساسية، حتى صار المشهد أشبه بنعوة بيضاء صامتة تعلن موت العقد الاجتماعي، وتكشف عن جسد محاصر بين مطرقة الحاجة اليومية وسندان بورصة الموت التي لا ترحم، في بيئة يذوب فيها الوطن والمواطن معاً.
سجن الحاجة وخصخصة البقاء
مع غياب الدولة عن أدق التفاصيل، تحولت البديهيات كالكهرباء والمياه والصحة إلى أحلام بعيدة المنال، فظهرت سوق الكارتيلات التي خصخصت البقاء وفرضت دفع “الدولار النقدي” مقابل خدمات أساسية كانت حقوقاً مكتسبة، بينما تحولت المعاملات الرسمية في الوزارات إلى رحلات شاقة لا تكتمل إلا بالواسطة أو الرشوة، مما خلق سجناً يومياً يخنق المواطن من رغيف خبزه وصولاً إلى ورقة رسمية.
فاتورة الرحيل ورفاهية الموت
لم يسلم حتى الموت من أنياب الانهيار، إذ تحولت المستشفيات إلى واجهات استثمارية تطلب ضمانات مالية ضخمة قبل إنقاذ الأرواح، وارتفعت تكاليف الدفن والمآتم لتصبح عبئاً مادياً يورث الديون للعائلات المتوسطة والفقيرة، مما جرد لحظة الوداع الأخيرة من جلالها وسكينتها، وحول الحزن الإنساني الخالص إلى عملية حسابية مرهقة في بورصة الموت.
الفيل السياسي ونعوة الدولة الصامتة
يتصدر المشهد “الفيل السياسي” الذي يدير عملية التحلل عبر تعطيل الاستحقاقات الدستورية وتغييب المحاسبة القضائية، مما أدى إلى حالة من “الخرس التعبيري” لدى المواطن الذي سئم الشعارات والاحتجاجات الصاخبة، ليدخل في حالة ذهول ناعم يعبر عن قطيعة نفسية تامة مع منظومة حكم أصبحت تدير الأزمات بدلاً من إدارة الدولة.
قدمنا لكم عبر موقع أقرأ 24 قراءة في مأساة وطن يصارع من أجل استعادة هويته، مؤكدين أن استمرار هذا الانهيار المؤسساتي يقضم من القيمة الإنسانية للبنان، بانتظار اللحظة التي تستعيد فيها الحروف معناها، ويسترد فيها العيش والموت وقارهما المنهوب.
