بعد أن حقق الذهب ارتفاعًا استثنائيًا وتجاوز نسبة 177% خلال ثلاث سنوات، سجل مستوى قياسيًا قرب 5,595 دولارًا للأوقية في 29 يناير 2026، قبل أن يعاود الانخفاض إلى حوالي 4,177 دولارًا، فاقدًا تقريبًا ربع قيمته منذ القمة، مما يطرح أمام المستثمرين تساؤلاً هامًا: هل يمثل هذا الهبوط فرصة للشراء بأسعار أقل، أم أن السوق لا يزال في طريقه للمزيد من التراجع قبل استعادة مسار الصعود؟
ما الذي يخبرنا عنه التاريخ بخصوص احتمالات تعافي الذهب؟
تُظهر البيانات التاريخية أن الذهب استطاع استعادة قممه السابقة بعد موجات هبوط تجاوزت 20% منذ عام 1971، إلا أن مدة التعافي اختلفت بشكل كبير بين الحالات. خلال أربع موجات هبوط سابقة في عصر صناديق الذهب المتداولة، تعافى الذهب في ثلاث حالات واستعاد مستويات الذروة خلال عام إلى عام ونصف. غير أن تجربة عام 2013 كانت استثنائية؛ إذ استغرق أكثر من 7 سنوات حتى تجاوز الذهب قمته السابقة.
هذه المقارنة تؤكد أن هبوط الذهب بنسبة كبيرة لا يضمن بالضرورة تعافيًا سريعًا، حتى وإن تمكن من استعادة مستويات الأسعار على المدى الطويل. ففي عام 2013، وُجه الذهب لضغوط قوية بسبب ارتفاع العوائد الحقيقية للسندات الأمريكية، قوة الدولار، وخروج المستثمرين من صناديق الذهب، مما أدى إلى إطالة فترة التعافي. أما في 2026، فهناك بعض أوجه التشابه، إلا أن الصورة ليست متطابقة؛ إذ تشير البيانات إلى وجود بعض التدفقات الاستثمارية الإيجابية والطلب الرسمي على الذهب، رغم أن عمليات الشراء من قبل البنوك المركزية تباطأت مقارنة بالفترات السابقة.
ما الذي قد يجعل الذهب يواصل الانخفاض؟
بالرغم من التراجع الكبير عن القمة، إلا أن هناك عوامل قد تحد من تعافي الذهب بسرعة، خاصة ارتفاع العوائد الحقيقية للسندات الأمريكية وتوقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة. فهي العوائد التي يحصل عليها المستثمر بعد احتساب التضخم، ومع ارتفاعها تزداد جاذبية السندات بالمقارنة مع الذهب الذي لا يحقق فوائد دورية، مما قد يدفع بعض المستثمرين لخفض مراكزهم في المعدن النفيس.
كما أن توقعات رفع أسعار الفائدة الأمريكية، قد تُزيد من الضغوط على الذهب، خاصة إذا أدى ذلك إلى ارتفاع عوائد السندات، ودعم الدولار. وتشير مصادر إلى أن الأسواق كانت تراهن بشكل مرتفع على رفع سعر الفائدة في ديسمبر، بينما يتوقع بنك أوف أمريكا أن يبقى الذهب أدنى مستوى 4,000 دولار خلال الربع الأخير من 2026، مع احتمالية تسجيل مستويات أدنى إذا استمرت الضغوط الاقتصادية.
ومع ذلك، فإن هذه التوقعات ليست نتائج مؤكدة، إذ قد تتغير مع صدور بيانات التضخم، والتوظيف، وتوجهات الاحتياطي الفيدرالي بشكل سريع.
هل يدعم الطلب الصيني ومشتريات البنوك المركزية ارتفاع الأسعار؟
من ناحية أخرى، يبقى الطلب الاستثماري ومشتريات البنوك المركزية من العوامل المهمة التي يمكن أن تساعد الذهب على التعافي. ففي الصين، يختار بعض المستثمرين الاعتماد على الذهب لتنويع محافظهم، خاصة مع التحديات التي تواجه الأصول الأخرى كالأسهم والعقارات. كما أن استمرار اهتمام البنوك المركزية بالذهب يعزز مكانته كمخزن للقيمة ويساعد على تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على العملات الأخرى.
غير أن هذا الدعم ليس مضمونًا دائمًا، حيث تشير البيانات إلى تباطؤ مشتريات البنوك المركزية خلال 2026 مقارنة بالفترات السابقة، وكذلك قد يحد ضعف الطلب على المشغولات الذهبية أو انخفاض المشتريات المادية من الأسواق الكبرى من فعالية الطلب الاستثماري بشكل كبير.
لذا، فإن قدرة الذهب على الصعود ستعتمد بشكل كبير على استمرارية المشتريات وقوتها، بالإضافة إلى اتجاه الدولار، والعوائد، وأسعار الفائدة السائدة.
توقعات المؤسسات الكبرى بشأن ذهب 2026 و2027
| المؤسسة | التوقعات السعرية خلال الربع الرابع من 2026 | ملاحظات إضافية |
|---|---|---|
| بنك أوف أمريكا | حوالي 4,000 دولار للأوقية، مع احتمالية هبوط إضافي | يضع السيناريوهات التي تشير إلى استمرار الضغوط |
| مورغان ستانلي | حوالي 4,450 دولار | توقعات معتدلة مع استقرار جزئي |
| جي بي مورغان | نحو 4,500 دولار | توقعات معتدلة مع احتمال تعافي في بعض الحالات |
| غولدمان ساكس | نحو 4,650 دولار، مع احتمال وصوله إلى 5,400 دولار عند نهاية 2027 | سيناريوهات متفائلة، تعتمد على عوامل متعددة |
| يو بي إس | حوالي 4,600 دولار، مع توقعات أعلى خلال 2027 | تواريخ التقديرات قابلة للتغيير مع تغير الظروف السوقية |
هذه التوقعات تظهر تفاوت الرؤى حول سرعة وطبيعة تعافي الذهب، حيث ترى بعض المؤسسات أن الأسعار قد تتعرض لمزيد من الانخفاض قبل أن تتجه للصعود مجددًا، في حين تركز أخرى على احتمالات عودة المكاسب مع استمرار الطلب والمشتريات.
ما هي المؤشرات الأساسية التي تحدد اتجاه الذهب في المستقبل؟
هناك عدة مؤشرات رئيسية يمكن الاعتماد عليها لفهم مسار الذهب، لكنها لا تضمن وحدها حتمية الصعود أو الهبوط. أولها: قرارات الاحتياطي الفيدرالي؛ فإذا تراجعت احتمالات رفع الفائدة أو ظهرت إشارات لتخفيف السياسة النقدية، فسيكون ذلك دعمًا للذهب. أما استمرار التوجه التشدد، فقد يضغط على السعر بشكل أكبر.
ثانيًا: العوائد الحقيقية للسندات الأمريكية؛ انخفاضها قد يقلل جاذبية السندات ويعزز الطلب على الذهب، في حين أن استمرار ارتفاعها قد يقيد ارتفاع الأسعار. ثالثًا: حركة الدولار؛ ضعف الدولار يجعل الذهب أقل تكلفة للمستثمرين من عملات أخرى، ما يدعم الطلب، والعكس صحيح.
رابعًا: التدفقات الاستثمارية؛ استمرار دخول الأموال إلى صناديق الذهب يشير إلى استمرار الاهتمام، بينما عمليات البيع المستمرة قد تؤدي إلى مزيد من التراجع. خامسًا: مشتريات البنوك المركزية؛ استمراريتها يدعم الاتجاه الصاعد، فيما قد يؤثر التباطؤ أو البيع على المعنويات.
مفاتيح التوقعات تكمن في قراءة هذه المؤشرات مجتمعة، وليس اعتمادًا على إشارة واحدة فقط أو حركات سعرية قصيرة الأجل.
هل أصبح الشراء الآن ملائمًا بعد التراجع الكبير؟
انخفاض الذهب بنسبة تقترب من 25% من أعلى مستوياته قد يراه البعض فرصة جيدة للاستثمار طويل الأجل، ولكن حجم التراجع وحده لا يضمن أن السوق قد وصل إلى القاع، إذ تتفاوت فترات التعافي، كما حدث بعد هبوط 2013. فبعض الحالات تتطلب سنوات طويلة، ولا يمكن تحديد أدق نقطة للشراء، خاصة وأن تقديرات السوق والتحليلات الفنية ليست دائمًا مؤكدة.
القرارات المثلى تعتمد على عدة عوامل، منها المدى الزمني، ومدى تحمل التذبذبات، وحاجة المستثمر للسيولة، والنسبة المخصصة للذهب في المحفظة. لمن يفكر في الشراء على المدى الطويل، فإن متابعة تطورات الفائدة، والعوائد، والدولار، والطلب العالمي، قد تكون أكثر فائدة من الاعتماد فقط على نسبة التراجع.
الخلاصة
توجد حالة من التوازن بين عوامل دعم طويلة الأجل تستهدف استقرار وتعافي الذهب، وبين ضغوط اقتصادية ونقدية قد تستمر في التأثير خلال المستقبل القريب. التاريخ يُبرز قدرة المعدن على التعافي بعد موجات هبوط حادة، ولكنه يُحذر من أن استعادة القمم قد يتطلب سنوات طويلة في بعض الحالات. التوقعات تتنوع بين استمرار الضغط على الأسعار حتى نهاية 2026، وإمكانية العودة إلى مستويات أعلى في 2027، مع احتمالات وصول بعض المستهدفات إلى 5,400 دولار للأوقية.
وفي النهاية، يعتمد الوصول لهذه المستويات على تطورات السياسة النقدية الأمريكية، واتجاهات العوائد والدولار، والطلب الاستثماري ومشتريات البنوك المركزية. النصيحة الأهم ليست الاعتماد على انخفاض السعر وحده كفرصة، لكن فهم المخاطر وإدارة الأفق الزمني للاستثمار بعناية، مع مراقبة المؤشرات الاقتصادية، يُعد من الركائز الضرورية لاتخاذ قرار مستنير.
إخلاء المسؤولية: هذا التحليل يهدف إلى التثقيف والإعلام فقط، ولا يُعد توصية مباشرة بالشراء، أو البيع، أو الاحتفاظ بالذهب. التوقعات السعرية المقدمة قابلة للتغيير، وتعرض توقعات غير مضمونة. الاستثمار في الذهب يحمل مخاطر، ويجب أن يكون ضمن خطة تتناسب مع الظروف الشخصية وتحمل المستثمر للمخاطر.
