محمد شعير: بعد 20 عامًا على رحيله.. نجيب محفوظ لم يتحول إلى ذكرى بل أصبح أكثر حضورًا

محمد شعير: بعد 20 عامًا على رحيله.. نجيب محفوظ لم يتحول إلى ذكرى بل أصبح أكثر حضورًا

 _ شخصيات نجيب محفوظ لا تعيش لأنها مثالية.. بل لأنها ناقصة ومرتبكة ومتناقضة_ الكاتب الحقيقي لا يتحول إلى تمثال.. وكل قراءة جديدة لنجيب محفوظ تعيد اكتشافه

قال الكاتب الصحفي محمد شعير إن مرور عشرين عامًا على رحيل نجيب محفوظ لا يمثل عشرين عامًا من الغياب، وإنما عشرين عامًا من استمرار حضوره، مشيرًا إلى مفارقة لافتة في حياة الأديب الكبير، حين اضطرت شركة التأمينات عام 1991 إلى إيقاف معاشه، وطلبت منه تقديم شهادة مختومة تثبت أنه لا يزال على قيد الحياة.

وأوضح شعير، خلال جلسة «من الحارة إلى الخلود» التي نظمها مركز دراسات ماسبيرو بمناسبة مرور عشرين عامًا على رحيل نجيب محفوظ، أن محفوظ اضطر إلى الاتصال بالمركز القومي للسينما والحصول على الشهادة المطلوبة حتى يستعيد معاشه، ثم عاش بعدها 15 عامًا قبل أن يرحل عام 2006.

وأضاف أن المفارقة المؤلمة أن أعظم روائي عربي في القرن العشرين كان، في الوقت الذي كان يكتب فيه أهم نصوصه، يخوض معركة مع البيروقراطية لإثبات أنه ما زال حيًا، بينما بعد عشرين عامًا من رحيله لم يعد أحد يطالبه بشهادة مختومة أو توقيع موظف لإثبات حياته.

وأكد شعير أن هذه المفارقة تمثل مدخلًا لفهم استمرار حضور محفوظ، موضحًا أن الحياة بالنسبة للمؤسسة قد تكون واقعة بيولوجية يمكن إثباتها بورقة، أما بالنسبة للأدب فالحياة شيء آخر تمامًا؛ فالكاتب يموت حين يتوقف الناس عن قراءته، وحين تتحول أعماله إلى آثار محفوظة في المتاحف لا تدخل في حوار مع أسئلة الحاضر.

وأشار إلى أن مرور عشرين عامًا على رحيل محفوظ يمثل فرصة لاختبار حضوره، مؤكدًا أن سر بقائه يعود إلى أنه لم يكتب عن زمنه فقط، وإن كان قد التقط ذلك الزمن بمهارة نادرة، وإنما كتب عن الإنسان داخل الزمن، وعن مشاعر وأسئلة لا تنتهي بانتهاء الحقبة التي ظهرت فيها.

وأوضح أن محفوظ تناول الخوف والرغبة والسلطة والحب والفشل والطموح وصناعة المعنى، وهي قضايا لا تفقد راهنيتها، لأن القاهرة تتغير، والسلطات تتبدل، والعائلات والطبقات الاجتماعية تتغير، لكن أسئلة الإنسان عن موقعه في العالم وعلاقته بالقوة، والصراع بين ما يريده لنفسه وما يريده الآخرون منه، تظل قائمة.

وقال شعير إن القارئ يستطيع اليوم العودة إلى محفوظ دون أن يشعر بأنه يدخل متحفًا أدبيًا مغلقًا، معتبرًا أن إحدى نقاط قوة تجربته أنه كان «مصريًا إلى أقصى درجة، وإنسانيًا إلى الحد الذي أوصله إلى العالمية»، فلم يكن بحاجة إلى التخلص من القاهرة حتى يصبح عالميًا، لأن القاهرة نفسها كانت كافية للوصول به إلى العالم.

ولفت إلى أن بقاء محفوظ لا يعود إلى قوة أعماله وحدها، وإنما أيضًا إلى طريقته في بناء الشخصيات، موضحًا أن شخصياته لا تعيش لأنها مثالية أو مكتملة، وإنما لأنها ناقصة ومرتبكة ومتناقضة، تريد أشياء ولا تعرف دائمًا كيف تحصل عليها، ولذلك يستطيع القارئ أن يختلف معها، وفي الوقت نفسه يرى شيئًا من نفسه فيها.

وأضاف أن الكاتب الحقيقي لا يتحول إلى تمثال بمجرد رحيله؛ فالتمثال يخلد الشخص، بينما التراث الأدبي الحقيقي يظل قابلًا لإعادة القراءة والتأويل، ويمكن لقارئ بعد عقود أن يختلف مع محفوظ بصورة أكبر مما اختلف معه قارئ سابق، وأن يطرح أسئلة جديدة حول أفكاره ومواقفه وشخصياته، أو يعيد قراءة أعماله من زوايا اجتماعية وسياسية ونسوية وغيرها.

وأكد أن قدرة القارئ على الاختلاف مع محفوظ بعد رحيله ليست علامة على تراجع قيمته، وإنما دليل على حيوية أعماله، قائلًا إن الأعمال الخالدة لا تبقى لأنها ثابتة، وإنما لأنها «تتغير معنا».

وتابع شعير أن مرور عشرين عامًا على رحيل محفوظ لا يعني عشرين عامًا من الغياب، بل عشرين عامًا من الحياة المتجددة لنصوصه، مؤكدًا أنه لم يتحول إلى اسم محفوظ في أرشيف النسيان، لأنه لم يكن مجرد سارد للحكايات، وإنما كان «مهندسًا للذاكرة الجمعية».

وأشار إلى أن المفارقة التي بدأت بشهادة التأمينات لإثبات حياة محفوظ تنتهي اليوم إلى حقيقة أكثر عمقًا، مفادها أن الأجساد قد ترحل، والمعاشات قد تتوقف، والأوراق قد تنتهي صلاحيتها، لكن النصوص الحية لا تحتاج إلى شهادة موظف كي تواصل الحياة في شوارع القاهرة وفي ذاكرة قرائها.