التشجير… ليس حلاً سحرياً لخفض الحرارة

التشجير… ليس حلاً سحرياً لخفض الحرارة

رغم تأكيدها أن «درجات الحرارة، في المناطق التي تكاد تخلو من الغطاء النباتي، ارتفعت بمقدار 6 درجات مئوية مقارنة بتلك التي تتمتع بالغطاء النباتي»، اقترحت دراسة علمية، أعدها باحثون في قسم الجغرافيا بكلية العلوم الاجتماعية في جامعة الكويت، أن «تتجاوز سياسات التخفيف من الحرّ فكرة زراعة الأشجار في أي مكان بصورة موحدة».

ولفتت الدراسة، التي حصلت «الراي» على نسخة منها، إلى أنه «في المناطق التي تتجاوز فيها حرارة سطح الأرض 52 درجة، لا سيما بعض المناطق الشمالية والغربية من البلاد، قد يكون من الأجدى الجمع بين المساحات الخضراء والمواد العاكسة للحرارة، والبرك والأحواض المائية الضحلة، وتشييد الأسطح والطرق التي تعكس قدراً أكبر من أشعة الشمس بدلاً من امتصاصها (كذلك الجمع بين التظليل والطلاء العاكس). أما في المناطق المناسبة حرارياً، فيمكن تعزيز شبكات خضراء مترابطة بدلاً من بقع نباتية صغيرة ومعزولة».

وبيّنت الدراسة، التي تناولت «أثر الأسطح الأسمنتية داخل الأحياء الحضرية على التدرجات الحرارية»، وأعدها الدكتور شوقي منصور والدكتور عبداللطيف الياقوت والدكتور مشاري العنزي، أن «التشجير، رغم أهميته، ليس حلاً سحرياً لارتفاع درجات الحرارة»، لافتة في الوقت ذاته إلى أن «المساحات الخضراء خففت أثر الحرارة بنحو 3. 2 درجة مئوية في بعض المواقع، ووصل التخفيف قرب الممرات الخضراء إلى 4. 2 درجة مئوية».

وأشارت إلى أنها حاولت «رصد أثر الأسفلت والخرسانة والمساحات الخضراء في حرارة سطح الأرض داخل الأحياء، واقتراح تخطيط أدق لمدن أكثر قدرة على مواجهة القيظ في صيف الكويت القاسي، حتى لا تكون الحرارة مجرد رقم في نشرة الطقس».

وتابعت الدراسة، التي اعتمدت على صور الأقمار الاصطناعية، أن «التباين بين شارعٍ تملؤه الأبنية والأسفلت، وحيٍّ تحفّه الأشجار والمساحات المزروعة، قد يبدل تجربة العيش جذرياً، لأن الأرض نفسها تسخن وتحتفظ بالطاقة، ثم تعيد بثها إلى محيطها. وهنا تظهر ظاهرة (جزيرة الحرارة الحضرية السطحية)، أي ارتفاع حرارة أسطح المدينة مقارنة بالمناطق الأقل عمراناً»، لافتة إلى أنها حاولت الإجابة عن سؤال مفاده «كيف تسهم المباني والطرق والمساحات الخضراء في رسم خريطة الحرارة من حي إلى آخر؟».

حرارة الأسفلت تفوق الهواء

لفتت الدراسة إلى أن «الكويت تقع في مناخ صحراوي فائق الجفاف، تقل أمطاره السنوية عن 120 ملم، وتبلغ حرارة الهواء صيفاً مستويات مرتفعة جداً. لكن سطح الأرض قد يصبح أشد سخونة من الهواء نفسه، لا سيما فوق المواد التي لا تمتص الماء، مثل الخرسانة والأسفلت والبلاط». فهذه الأسطح، التي تسميها الدراسة «الأسطح غير المنفذة»، تمتص الإشعاع الشمسي وتخزن حرارته. وفي المقابل، تساعد النباتات على تخفيف الحر عبر الظل وتبخر الماء من أوراقها، وهي عملية طبيعية تسحب جزءاً من الحرارة من البيئة المحيطة.

الغرب والشمال الغربي أكثر اشتعالاً

رسمت نتائج الدراسة صورة حرارية واضحة التباين خلال العام الماضي. ففي يونيو تجاوزت حرارة السطح 67 درجة مئوية في المناطق الشمالية والغربية، بينما بلغ متوسطها في المناطق الوسطى نحو 56 درجة، وانخفضت في بعض المناطق الشمالية الشرقية مثل دسمان إلى 45 درجة. وفي يوليو وصلت بعض المناطق الصناعية، ومنها الجهراء الصناعية، إلى 70 درجة مئوية، في حين بقي معظم المناطق الجنوبية عند نحو 47 درجة. أما في أغسطس، فاستمر بعض الأحياء الشمالية فوق 60 درجة، مقابل مناطق جنوبية سجلت قيماً أقل بكثير.

ولا تعني هذه الأرقام أن سكان تلك المناطق تعرّضوا لدرجة حرارة هواء مساوية لها، بل إنها تصف سخونة سطح الأرض تحت أشعة الشمس ومع ذلك، فهي مؤشر بالغ الأهمية على شدة الحمل الحراري الذي تتعرّض له الشوارع والمباني والأحياء. وتوضح الدراسة أن الأسطح غير المنفذة يمكن أن تكون أكثر حرارة من الهواء بنحو 10 درجات مئوية في ظروف الكويت شديدة الجفاف.

تفاوت في المساحات الخضراء

كشفت الخرائط التي توصلت إليها الدراسة عن «تفاوت مكاني واجتماعي محتمل، فبعض المناطق مثل حولي والفروانية، بدت أقل حظاً في نصيب السكان من المساحات الخضراء بسبب التمدد العمراني والكثافة السكانية المرتفعة. وفي المقابل، وُجدت أحياء ومناطق ذات غطاء نباتي كثيف في أجزاء من الشمال والوسط». ولا تجزم الدراسة وحدها بأسباب هذا التفاوت أو بآثاره الاجتماعية التفصيلية، لكنها تنبه إلى ضرورة توزيع حلول التبريد.

عندما لا تكفي الأشجار

لفتت الدراسة إلى أن أحد أكثر استنتاجاتها إثارة هو أن أثر النباتات ليس ثابتاً بلا حدود، فقد رصد النموذج المتقدم عتبة حرارية تقارب 52 درجة مئوية، وبعد تجاوزها تتراجع قدرة الغطاء النباتي على التبريد بسرعة كبيرة.

ويفسر الباحثون ذلك بأن النباتات نفسها تتعرّض لإجهاد حراري ومائي في الحر الشديد، فتضعف عملية النتح والتبخر التي تمنحها قدرتها الرئيسية على التبريد. لذلك لا ينبغي فهم التشجير بوصفه حلاً سحرياً يعمل بالمقدار نفسه في كل مكان وكل وقت.

OneCasino