
برز دور المُنشدين التلقائيين بقوة خلال طقوس الاحتفال السنوي بالمولد النبوي الشريف، فقد تم تعويض النقص الواضح في الأغنية الدينية بفتح المجال أمام مُنشدي الأرياف للتعبير عن مواهبهم في إحياء الليالي العطرة داخل السرادق الشعبية، سواء في القرى أو المُدن.وبالطبع أدت الهجرة الموسمية من الريف إلى المدينة لزيادة عدد الحفلات بالمناطق الأكثر كثافة داخل القاهرة، والتي تضم نسبة كبيرة من مُريدي نجوم المديح والابتهال أمثال الشيخ يسن التهامي وابنه محمود وبعض المشاهير الآخرين في نفس المجال.وعلى مستوى الإعلام الرسمي قامت قناة ماسبيرو زمان بإذاعة التسجيلات النادرة لرواد الفن الشعبي، فاطمة عيد وفاطمة سرحان ومحمد طه وزينب يونس ومحمد الكحلاوي.وفي نفس الوقت ربطت الخريطة البرامجية بالقناة المذكورة والتي أعدها نخبة من الكوادر الإعلامية المُدربة تحت إشراف رئيس القناة محمد فردون خلال أيام الاحتفال، بين الكلاسيكي من الأغنيات والبرامج، والإبداع الحديث نسبياً، حيث تم تخصيص فقرات بعينها لإذاعة بعض الأغاني الدينية المُختارة لعلي الحجار وياسمين الخيام وسوزان عطية وإيمان الطوخي، كان أهمها أغنية «صلينا الفجر فين» و«أم النبي» وبعض الأدعية الشهيرة.بالإضافة إلى الليلة المحمدية التي تكررت على مدار الأيام الماضية، فضلاً عن إذاعة عدد غير قليل من برامج الوعظ والإرشاد والأحاديث النبوية لكبار الأئمة والمشايخ كالشيخ الشعراوي والشيخ أحمد عمر هاشم وفضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمد السيد طنطاوي شيخ الأزهر الأسبق والشيخ محمد أحمد عبد الواحد وآخرين من العلماء ورجال الدين.وبينما كانت ماسبيرو زمان تنفرد بإذاعة المواد المهمة التي تم التنقيب عنها ومُعالجتها صوتياً وتقنياً في محاولة لإحياء التراث الإذاعي والتلفزيوني القديم وفق خُطة مدروسة بعناية ودقة، كانت هناك محاولات أخرى من بقية الفضائيات لملء مساحات الإرسال بالأفلام والمُسلسلات القديمة والمعروفة والمحفوظة عن ظهر قلب، كفيلم «ظهور الإسلام» وفيلم «فجر الإسلام» و«هجرة الرسول» و«بلال مؤذن الرسول» و«الرسالة» وغيرها.وبرغم الاجتهادات المُضنية لرسم صورة إيجابية للاحتفال السنوي المهم عبر الأفلام المذكورة، ظل هناك خلل واضح تمثل في الإعادة والتكرار وعدم الإتيان بشيء جديد يعكس نمو الإنتاج السينمائي المصري لهذا النوع بالذات، لاسيما أن عدد الأفلام التي أنتج مُعظمها في فترة الستينيات قليل للغاية وهو ما كشف بوضوح عن أزمة الأعمال الحديثة ونُدرة التمويل وعدم تحمس الجهات الرسمية المعنية لإنتاج الجديد والمُغاير من سير الصحابة وقصص الأنبياء والغزوات والفتوحات وتوثيقه في أعمال سينمائية مُعتبرة تشهد بعظمة التاريخ الإسلامي وانتصاراته، ومكانة القادة والخُلفاء في مُختلف العصور.جُل ما قدمته القناة الأولى الرسمية والفضائية المصرية خلال المُناسبة الجليلة ومراسم الاحتفال بها، إذاعة بعض الحلقات من أهم المُسلسلات الدينية وإطلالات سريعة على سير الصحابة ومرور خاطف على الأحداث الشهيرة والوقائع الدينية المهمة، وهو أمر طبيعي في ظل عدم توافر مواد جديدة تُثير الانتباه وتُجبر جمهور المشاهدين على التركيز والمُتابعة.قناة ماسبيرو زمان أيضاً استمرت في عرض مسلسل «لا إله إلا الله» بوصفة العمل الرئيسي الأهم وأتبعته بأعمال درامية أخرى على نفس المستوى من الجودة الفنية والموضوعية، وذلك لإبراز دور الدراما الدينية في حفظ الذاكرة التاريخية بمضامينها الثقافية والعلمية والمعرفية.وعلى صعيد آخر بذلت القنوات الإقليمية أقصى ما في وسعها من جهود لتنويع خرائطها الدرامية والبرامجية لتتسق مع الشكل الاحتفالي العام بذكرى المولد النبوي، فأذاعت بعض الأغنيات الدينية وصورا درامية مُتعددة من مُسلسلات وأفلام معروفة، بيد أن ذلك لم يُخف الحقيقة الجلية المنطوية على تقصير واضح ينم عن عجز جهات الإنتاج المصرية لإضافة أعمال حديثة يُعتد بها في ملف السينما التاريخية والدينية.وللدقة فإن هناك بعض المحاولات الإنتاجية الناجحة في مجال الدراما التلفزيونية تمت على مدار السنوات القليلة الفائتة أسفرت عن خروج أعمال جيدة إلى النور كمسلسل «عمر» على سبيل المثال ومسلسل «الإمام الشافعي» لخالد النبوي، لكنها بالقطع ليست كافية لاحتواء ما يُمكن أن يفخر به كل عربي وكل مسلم من إنجازات وفتوحات وشخصيات كان لها تأثيرها القوي وأدوارها الرائدة في إرساء قواعد الحضارة والرُقي على المستوى التاريخي والإنساني.وبالعودة إلى ما بدأنا الحديث عنه حول اجتهاد المُنشدين والمُبتهلين لإحياء ذكرى النبي محمد، لابد من الاعتراف بفضل المواهب الشابة الوافدة من الريف المصري إلى القاهرة وعطائها القيم في ذات المضمار الإبداعي النوعي والمُختلف عن بقية الإبداعات الغنائية التقليدية المُعتادة.ومن أبرز المُساهمين في نهضة فن التواشيح والمديح النبوي، علي أبو الدهب ابن الصعيد ومحمد طارق ومحمود يسن التهامي، بالإضافة إلى فرقة الكورال بدار الأوبرا المصرية والتي تضم بينها أصوات نسائية قوية وعذبة، تُضاهي في قوتها الأصوات النسائية القديمة لرائدات الإنشاد والمديح، خضرة محمد خضر وفاطمة عيد وفاطمة سرحان.وقد وجدت بعض الأصوات البارزة تجاوباً إعلامياً وترحيباً كبيراً من البرامج الشهيرة كبرنامج «صاحبة السعادة» الذي تقدمة إسعاد يونس وبرنامج «معكم منى الشاذلي» وبرنامج سعد الصغير الذي احتفى خلاله بزملاء مهنته من المُغنين الشعبيين والمداحين «المتصيتين» على حد التعبير الدارج المُتعارف عليه بين أهل الغنى وأصحاب الحناجر الذهبية، ما يعني أن هناك فرصاً مُتاحة لكل ذي موهبة وطموح.
