من فكّ الحرف لمحو الأمية الرقمية: كيف يخوض العرب معركة المعرفة الجديدة؟

من فكّ الحرف لمحو الأمية الرقمية: كيف يخوض العرب معركة المعرفة الجديدة؟

لم تعد معركة محو الأمية في العالم العربي تقتصر على تعليم القراءة والكتابة. فبين دول خليجية اقتربت معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة فيها من الشمول الكامل، ودول أخرى لا تزال تواجه فجوات واسعة بين المدن والأرياف وبين الرجال والنساء، يتغير تعريف الأمية نفسه بسرعة. اليوم، بات التحدي يشمل المهارات الرقمية، وفهم المعلومات، والتعلم مدى الحياة، والقدرة على مواكبة سوق عمل يتغير تحت تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

 

من هنا يأتي العقد العربي الثاني لمحو الأمية 2025–2034 بوصفه المظلة الأوسع لهذه المواجهة، مع هدف خفض الأمية إلى أقل من 5% بحلول 2030. لكن الأرقام تكشف أن نقطة الانطلاق تختلف بشدة من بلد إلى آخر: الإمارات والسعودية تنتقلان إلى مرحلة بناء مجتمع معرفي متقدم، فيما تخوض مصر والمغرب معركة واسعة لخفض الأمية التقليدية، ويحاول لبنان منع الأزمات التعليمية والاقتصادية من إنتاج جيل جديد من المتسربين. وبين هذه النماذج، تتشكل خريطة عربية جديدة لمفهوم محو الأمية: ليس المطلوب أن يقرأ المواطن، المطلوب أن يفهم ويتعلم ويتكيّف ويشارك في اقتصاد المعرفة.

 

العقد العربي الثاني لمحو الأمية 2025–2034

أبرز مظلة عربية حالياً. أطلقتها جامعة الدول العربية بالتعاون مع الألكسو. الطموح المعلن: دفع معدل الأمية إلى أقل من 5% بحلول 2030، مع توسيع المفهوم من القراءة والكتابة التقليدية إلى الأمية الرقمية والتعلم مدى الحياة.

محو الأمية صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

 

مجلس التعاون الخليجي

تنص الاتفاقية الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي على تبني الدول الأعضاء “البرامج اللازمة للمحو الشامل للأمية” بالتوازي مع إلزامية التعليم الأساسي، إضافة إلى تبادل التجارب في تعليم الكبار، وتطوير المناهج والمهارات الأساسية، والتوسع في التعليم المستمر والرقمي. ساهمت هذه السياسة، إلى جانب التوسع الكبير في التعليم النظامي، في رفع معدلات القراءة والكتابة إلى مستويات مرتفعة جداً؛ ففي 2024 بلغت النسبة 98.8% في الإمارات و97.9% في السعودية. لذلك، تحول التحدي الخليجي تدريجياً من محو الأمية التقليدية إلى محو الأمية الرقمية، والتعلم مدى الحياة، وتحسين جودة القراءة والفهم والمهارات.

مجلس التعاون الخليجي – freepik

 

الإمارات: منظومة معرفية عالمية

توفر وزارة التربية والتعليم “مسار محو الأمية”  المخصص لمن لم يكتسبوا المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، ويتيح لهم استكمال مراحل تعليمية تؤهلهم للاندماج في مسارات تعليمية أوسع. وشكلت “الاستراتيجية الوطنية للقراءة 2016–2026” خطوة مركزية لترسيخ القراءة كعادة مجتمعية، ودعمت بقانون وطني للقراءة وبرامج تستهدف المدارس والأسر والمؤسسات. أما “تحدي القراءة العربي”، الذي أطلقه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فتحول إلى واحدة من أكبر المبادرات العربية لتعزيز القراءة، وشارك فيه على مدى دوراته أكثر من 160 مليون طالب من عشرات الدول. عالمياً، تؤدي “دبي العطاء” دوراً بارزاً في دعم التعليم ومحو الأمية في الدول النامية، كما وفرت حملة “أمة تقرأ” ملايين الكتب للطلاب والأطفال المحتاجين، ما يعكس انتقال الإمارات من محو الأمية التقليدي إلى بناء معرفة مستدامة.

 

دولة الامارت العربية المتحدة – وكالات

 

السعودية: الانتقال من محو الأمية إلى التعلم مدى الحياة

يصل برنامج “مجتمع بلا أمية” إلى المستفيدين في أماكن وجودهم، وتتيح “مدارس التعليم المستمر” للكبار استكمال المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية مجاناً. كما تعمل مراكز “الحي المتعلم” على تطوير المهارات القرائية والرقمية والمهنية والحياتية، إلى جانب الحملات الصيفية لمحو الأمية في المناطق النائية، وقناة “عين” للتعليم المستمر. في 2025، بلغ عدد مدارس التعليم المستمر 1,738 مدرسة، استفاد منها أكثر من 54 ألف دارس، فيما استفاد 20,295 شخصاً من مراكز الحي المتعلم.

المملكة العربية السعودية – وكالات

 

لبنان: محو أمية على صعد كثيرة

في القطاع التعليمي، تنفذ وزارة التربية بالتعاون مع “اليونيسف” وشركائها برامج للمهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، إلى جانب التعليم غير النظامي وبرامج التعلم التكيفي، بهدف إعادة الأطفال خارج المدرسة إلى المسار التعليمي. وتؤدي جمعية “أنا أقرأ” دوراً بارزاً في دعم الأطفال الذين يعانون ضعفاً في القراءة والحساب أو خطر التسرّب، من خلال برامج تعليمية وتدريب للمعلمين. كما تدعم “اليونيسف” مبادرة “من التعلّم إلى الكسب”، التي تربط المهارات الأساسية بالتدريب المهني وفرص العمل للشباب. وتوسعت برامج محو الأمية الرقمية والإعلامية عبر اليونسكو ومنصات التعلم الإلكتروني، ما يعكس انتقال لبنان من مفهوم محو الأمية التقليدي إلى تنمية مهارات تعليمية ورقمية ومهنية أوسع.

مصر: أرقام بحجم دولة

مصر من أكبر ساحات المعركة ضد الأمية عربياً. في السنة المالية 2025–2026، جرى محو أمية 758,643 شخصاً، بينهم 447 ألف امرأة، وانخفض متوسط الأمية بحسب الهيئة العامة لتعليم الكبار إلى 17.4% لفئة 10 سنوات فأكثر. كما حققت مبادرة “لا أمية مع تكافل” نحو 1.439 مليون ناجح تراكمياً حتى منتصف 2025.ووصل “البرنامج الوطني لتنمية مهارات اللغة العربية” إلى أكثر من 180 ألف تلميذ في 980 مدرسة، بينما تصل الكتب العربية المطورة ضمن المهمة الوطنية لمحو فقر التعلّم إلى نحو 13 مليون طالب.

 

الجمهورية العربية المصرية – فايسبوك

 

المغرب: استهداف النساء والريف

انخفض معدل الأمية في المغرب من 32.2% في 2014 إلى 24.8% في 2024. لكنه 38% في الريف و32.4% بين النساء، ما يفسر طبيعة البرامج المستهدفة. وسجلت الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية 653,088 مستفيداً في موسم 2024–2025؛ 84% منهم نساء و59% من الريف. كما تبنت استراتيجية وطنية 2023–2035، وبرامج “ما بعد محو الأمية” لربط القراءة والكتابة بالتكوين المهني والإدماج الاقتصادي، مع هدف معلن للقضاء على الأمية بحلول 2029.

 

OneCasino