أكذوبة الأعلى أجرًا والأكثر مشاهدة - أقرأ 24

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من أكثر الظواهر إثارة للسخرية في الوسط الفني خلال السنوات الأخيرة، حالة الهوس المتنامية بألقاب من نوع "الأعلى أجرًا" و"الأكثر مشاهدة".

فجأة أصبح لدينا عدد من النجوم يفوق عدد القمم نفسها، وكل واحد منهم يقدم نفسه للجمهور باعتباره صاحب الرقم الأكبر والإنجاز الأضخم والحضور الكاسح الذي لا ينافسه أحد، لكن السؤال البسيط الذي يهرب منه الجميع: أين الدليل؟

إذا كان فنان ما يدعي أنه الأعلى أجرًا، فالمسألة ليست فلسفة ولا كيميا، ولا وجهات نظر، الأجر رقم، والرقم له عقد، والعقد له قيمة مالية محددة،  فلماذا لا يخرج أصحاب هذه الادعاءات بعقودهم الموثقة ويضعونها أمام الرأي العام؟

لماذا تتحول الأرقام إلى أسرار كبرى بمجرد مطالبة أصحابها بإثباتها؟ الحقيقة أن لقب "الأعلى أجرًا" لا يساوي شيئًا ما لم يكن مدعومًا بوثائق يمكن التحقق منها خاصة إذا كان النجم يدفع حق الدولة من ضرائب وواجبات أخرى وان كان صادق فاليخرج اوراقه، وما دون ذلك ليس أكثر من دعاية مجانية يرددها البعض حتى تتحول إلى شائعة واسعة الانتشار

أما الكذبة الأكبر فهي لقب "الأكثر مشاهدة "، ففي عصر المنصات المتعددة، والقنوات المتشابكة، والمواقع غير الشرعية، وسيرفرات القرصنة التي تبتلع الأعمال الفنية وتعيد بثها بلا حصر، يصبح الحديث عن رقم مشاهدة نهائي ودقيق أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع، فمن الذي أحصى هذه المشاهدات؟ ومن الذي راقب كل شاشة وكل منصة وكل موقع وكل نسخة مسروقة تدور في الفضاء الإلكتروني؟ ومن يملك أصلًا جهة مستقلة ومحايدة تمنح هذا اللقب؟

الإجابة واضحة: لا أحد.

ولهذا فإن معظم ما يطرح تحت عنوان "الأكثر مشاهدة" ليس حقيقة مثبتة، بل مجرد ادعاء تسويقي يفتقر إلى أدوات الإثبات، إنها أرقام تخرج من غرف الدعاية أكثر مما تخرج من مؤسسات القياس.

المفارقة أن الفنان الواثق من موهبته لا يحتاج إلى هذه اللافتات، فالجمهور لم يحب كبار النجوم لأنهم أعلنوا أنهم الأعلى أجرًا، ولم يحفظ أسماء العظماء لأنهم تصدروا بيانات المشاهدة،  ما أبقى هؤلاء في الذاكرة هو العمل الجيد، والشخصية الفنية المتفردة، والقدرة على التأثير في الناس لا على إقناعهم بأرقام مجهولة المصدر.

في النهاية، حين ينشغل الفنان بإقناع الجمهور بأنه الأعلى أجرًا أو الأكثر مشاهدة، فإنه يرسل رسالة معاكسة تمامًا لما يريد، فهو يستبدل القيمة بالدعاية، والتاريخ بالأرقام، والإبداع بالضجيج، وكأن الإنجاز الفني لم يعد كافيًا، فأصبح يحتاج إلى شهادة تفوق يكتبها صاحبه بنفسه.

لهذا ستظل عبارات "الأعلى أجرًا" و"الأكثر مشاهدة" مجرد شعارات جوفاء ما لم تدعمها حقائق دامغة،  وحتى ذلك الحين، تبقى واحدة من أكثر الأكاذيب تداولًا في الوسط الفني، وأحد أكثر أشكال التسويق ابتذالًا، لأنها لا ترفع من قيمة الفنان بقدر ما تكشف حاجته المستمرة إلى إثباتها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق