تتجه الأنظار العالمية نحو العاصمة السويسرية في التاسع عشر من يونيو الجاري حيث من المتوقع أن توقّع الولايات المتحدة وإيران رسمياً مذكرة تفاهم استراتيجية، بهدف فتح مسار تفاوضي يمتد لستين يوماً كحد أقصى للتوصل إلى اتفاق نهائي وشامل، يسهم في إنهاء الحرب الدائرة بين الجانبين ويبحث ترتيبات جديدة للبرنامج النووي الإيراني وسط ترقب إقليمي وعالمي كبير لنتائج هذه الخطوة الدبلوماسية المرتقبة التي قد تغير وجه الشرق الأوسط
وحسب تقرير لموقع بلومبرج الإخباري فقد جرى تسريب نص مشروع مذكرة التفاهم المؤلف من أربعة عشر بنداً تفصيلياً، والذي تداوله باحثون ومتابعون على شبكات التواصل الاجتماعي منذ منتصف نهار الثلاثاء، في وقت لم يصدر فيه أي تعليق رسمي من البيت الأبيض أو السلطات الإيرانية يؤكد صحة الوثيقة، كما تعذر التحقق بشكل مستقل من المسودة المتداولة التي أثارت اهتماماً إعلامياً واسع النطاق في الأوساط السياسية والاقتصادية
وتشير التقارير الصحفية الواردة من مصادر دبلوماسية متعددة إلى أن هذه التحركات تأتي بعد جولات طويلة من المفاوضات السرية التي جرت خلف الأبواب المغلقة برعاية دولية مكثفة، وتسعى الأطراف الوسيطة من خلال هذه المسودة إلى صياغة إطار عمل قانوني وسياسي ملزم يضمن خفض التصعيد العسكري الجاري في المنطقة، وتجنب انزلاق الأطراف إلى مواجهة شاملة ومفتوحة قد تؤدي إلى تدمير البنية التحتية للاقتصاد العالمي وتهديد مصادر الطاقة
وتؤكد التحليلات السياسية المصاحبة لتسريب الوثيقة أن التوقيع على مسودة التفاهم سيمثل تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية الأميركية والإيرانية على حد سواء، إذ يرى الخبراء أن الرغبة المشتركة في إنهاء حالة العداء العسكري تعكس تزايد الضغوط الداخلية والاقتصادية على الطرفين، مما يدفعهما نحو خيار التهدئة الدبلوماسية كبديل وحيد ومثالي لسياسة حافة الهاوية التي ميزت العلاقات بين واشنطن وطهران على مدى العقود والسنوات الماضية
بنود مسودة التفاهم لإنهاء الحرب والترتيبات العسكرية والنووية
تتضمن الوثيقة إعلان إيران والولايات المتحدة وحلفائهما إنهاءً فورياً ودائماً للحرب على جميع الجبهات بما في ذلك الجبهة اللبنانية المشتعلة، وتتعهد الدولتان بموجب بند مذكرة التفاهم بعدم شن أي أعمال عدائية والامتناع التام عن التهديد باستخدام القوة، على أن يتعهد الطرفان باحترام سيادة كل منهما وسلامة أراضيهما وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام الكامل بالتوصل للاتفاق النهائي خلال ستين يوماً تفاوضياً
وتقضي بنود الاتفاق برفع الولايات المتحدة للحصار البحري المفروض فور التوقيع على المسودة، وإعادة حركة الملاحة الإيرانية بكامل طاقتها خلال ثلاثين يوماً لتتناسب مع مستويات ما قبل الحرب، وتتعهد واشنطن بسحب قواتها من المناطق المحيطة خلال ثلاثين يوماً من إبرام الاتفاق النهائي، بينما تتخذ طهران خطوات فورية لضمان استئناف حركة السفن التجارية بالخليج العربي وبحر عمان وتأمين الممرات البحرية الاستراتيجية
وتلتزم إيران بموجب هذه التفاهمات بإزالة العوائق الفنية وتحييد الألغام البحرية لضمان سلامة الملاحة الدولية وحرية التجارة العالمية، وتؤكد طهران مجدداً في المسودة المطروحة أنها لن تنتج أسلحة نووية أبداً، على أن تتم معالجة مصير المواد المخصبة والاحتياجات النووية الإيرانية في الاتفاق النهائي، مع الحفاظ على الوضع القائم حالياً في البرنامج النووي الإيراني طوال فترة المفاوضات لضمان بناء الثقة
ويرى مراقبون أن البنود العسكرية والأمنية الواردة في المسودة تمثل هيكلاً متكاملاً لإعادة صياغة التوازنات الأمنية في منطقة الخليج، حيث يسعى الطرفان إلى تجنب الاحتكاكات البحرية والجوية التي ميزت المرحلة السابقة، وتضع الوثيقة التزامات متبادلة صارمة تمنع أي طرف من حشد قوات إضافية أو القيام بمناورات استفزازية في الممرات المائية الحيوية، مما يمنح المفاوضين بيئة هادئة ومستقرة لإنجاز تفاصيل الاتفاق النهائي الشامل
وتشير أوساط قريبة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن البند الثامن من المسودة يضع حداً للمخاوف الدولية بشأن نسب التخصيب العالية، حيث وافقت طهران على تجميد أنشطتها الحالية مقابل الحصول على إقرارات واضحة بحقها في الطاقة النووية السلمية، وستكون ملفات أجهزة الطرد المركزي المتطورة ومخزون اليورانيوم المخصب فوق نسبة عشرين بالمئة من أهم المحاور التي سيناقشها الخبراء الفنيون خلال مهلة الستين يوماً المقررة
الدعم الاقتصادي ورفع العقوبات الدولية والإعفاءات النفطية المقترحة
وتتعهد الولايات المتحدة بالتعاون مع شركائها الإقليميين بوضع خطة شاملة لإعادة تأهيل إيران وتنميتها اقتصادياً، مع ضمان تمويل لا يقل عن ثلاثمئة مليار دولار يتم تحديد آليات تنفيذه لاحقاً، وتلتزم واشنطن بموجب مشروع مذكرة التفاهم بإنهاء جميع أنواع العقوبات الأميركية الأحادية والأممية وقرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفق جدول زمني محدد يتفق عليه الجانبان لإنعاش الاقتصاد الإيراني المتضرر من الحصار
وتشير نصوص المسودة المتداولة إلى التزام وزارة الخزانة الأميركية بإصدار إعفاءات فورية تسمح بتصدير النفط الإيراني والمنتجات البتروكيماوية ومشتقاتها، والخدمات المصرفية والتأمين والنقل المرتبطة بها لتسهيل التجارة، وتتعهد واشنطن بعدم فرض عقوبات جديدة أو تعزيز قواتها العسكرية في المنطقة، والإفراج الكامل عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة والمقيدة في البنوك الأجنبية بموجب التقدم المحرز في المفاوضات الجارية بين الطرفين بسويسرا
وتؤكد التقارير الاقتصادية أن حزمة الدعم المالي المقدرة بثلاثمئة مليار دولار ستكون بمثابة رافعة أساسية لإعادة بناء البنية التحتية الإيرانية وتطوير قطاعات الطاقة والاتصالات، وستشارك في هذا التمويل الصناديق التنموية الإقليمية والدولية كجزء من صفقة الاستقرار الشاملة، ويشترط النص أن تترافق هذه المساعدات مع التزام طهران الكامل ببنود التهدئة العسكرية وعدم دعم أي فصائل مسلحة قد تهدد أمن جيرانها في المنطقة
وتسعى الشركات النفطية العالمية إلى استكشاف الفرص الاستثمارية التي ستتيحها الإعفاءات الأميركية الفورية بموجب الاتفاق، حيث يمثل عودة النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية بطاقته القصوى عاملاً حاسماً في استقرار أسعار الطاقة العالمية وتلبية الطلب المتزايد، وتتضمن التفاهمات اللوجستية تسريع إجراءات الشحن البحري وتأمين ناقلات النفط عبر آليات تنسيق مشتركة تمنع أي تداخل أو عرقلة من القوى البحرية المنتشرة في المياه الدولية
آليات التنفيذ والاعتماد الأممي للاتفاق الشامل المرتقب
وتتيح التصاريح الأميركية للبنك المركزي الإيراني استخدام الأموال المفرج عنها في أي مدفوعات يحددها للمستفيدين النهائيين، وسيدخل الطرفان في مفاوضات نهائية تقتصر على المواد المتبقية بعد الحصول على ضمانات ببدء تنفيذ البنود الاقتصادية والملاحية، وسيتفق الجانبان على إنشاء آلية تنفيذ للإشراف على التطبيق الناجح للالتزامات وضمان التزام الطرفين، ليتم اعتماد الاتفاق النهائي من خلال قرار ملزم يصدر عن مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة
ووفقاً لمصادر قانونية فإن اشتراط صدور قرار ملزم من مجلس الأمن الدولي يهدف إلى منح الاتفاق النهائي حصانة قانونية دولية تمنع أي إدارات أميركية مستقبلية من التراجع عنه، وتعد هذه الآلية ضمانة أساسية طلبتها طهران لتفادي تكرار تجربة الانسحاب الأميركي السابق من الاتفاق النووي، مما يمنح مذكرة التفاهم الحالية ثقلاً قانونياً يدعم استمرار تنفيذ البنود على المدى الطويل ويوفر بيئة استثمارية آمنة ومستقرة للشركات العالمية
وتتضمن آليات المراقبة المقترحة تشكيل لجان فنية مشتركة تضم ممثلين عن القوى الكبرى والاتحاد الأوروبي لمتابعة الالتزام المتبادل، وستتولى هذه اللجان فحص الشكاوى وحل النزاعات التقنية التي قد تنشأ أثناء مرحلة التطبيق، وتثبت المسودة المتداولة رغبة حقيقية من الطرفين في صياغة عهد جديد للعلاقات الدولية يقوم على احترام المصالح المشتركة وتصفير الأزمات العسكرية، مما يجعل الأسابيع القادمة حاسمة لمستقبل الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والعالم


















0 تعليق