ليس كل مثقف فنانًا، لكن من الضروري أن يكون كل فنان مثقفًا، هذا ما يؤكده النحات ناثان دوس، الذي يرى أن الموهبة وحدها لا تكفي لصناعة تجربة فنية حقيقية، وأن الفنان يحتاج دائمًا إلى روافد معرفية وآفاق ثقافية واسعة تغذي خياله وتمنحه القدرة على تطوير أدواته ورؤيته للعالم.
فالفن، في جوهره، ليس مجرد مهارة تقنية، بل هو انعكاس لوعي الإنسان بالوجود والحياة والمجتمع.
وفي هذا السياق، يجيبنا دوس عن سؤال مهم: هل من الضروري أن يكون النحات مثقفًا؟ وكيف تسهم المعرفة والقراءة والانفتاح على الفنون والعلوم المختلفة في تشكيل رؤية الفنان وصياغة مشروعه الإبداعي؟ وهل بالضرورة أن يكون النحات مثقفًا ومشتبكًا مع الفلسفة والتاريخ؟

قال ناثان دوس: "لا يمكن ألا يكون الفنان مثقفًا، فبدون الثقافة لا يصبح فنانًا مجددًا وصاحب سؤال. فالاشتباك مع الفلسفة والأدب والسياسة والعلوم الإنسانية هو ما يمنح العمل الفني عمقه، ويحوّله من مجرد مهارة بصرية إلى موقف فكري وإنساني، فمشروعي قائم على ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها التنوير، وثانيها الانتصار للإنسان، وثالثها وأساسها الانحياز للمقهورين في هذه الأرض، إيمانًا وقناعة بأن للفن صوتًا وطريقًا للحرية. وهذا ما أفعله؛ فانحيازي للإنسان في ضعفه وقوته وأحلامه وهشاشته يأتي بعيدًا عن أن يتحول الفن إلى أداة جمالية بلا معنى".
هل ثمة أزمة في علاقة الجمهور بالفن، سواء التشكيلي أو النحت، وكأنه موجه للنخبة بكل ما يحمله من رؤى وأفكار تخدم العامة؟
أجاب دوس: "أزمة العلاقة بين الفن التشكيلي والنحت والجمهور العام هي أزمة قديمة متجددة. فلا شك أن هذه الفنون الآن هي فنون نخبوية، تُعرض داخل قاعات مغلقة يرتادها متخصصون ومهتمون أكثر مما تصل إلى الشارع أو إلى الناس البسطاء. فهذه الفنون ما زالت في حالة فراق مع الشارع، خاصة أن الجمهور العريض لا يملك فرصة حقيقية للاحتكاك اليومي بها".
وتابع دوس: "لكن في الوقت نفسه لا يمكن إنكار العلاقة بين النحت تحديدًا والشارع، إذ إنه ليس غريبًا عن الثقافة المصرية، بل هو جزء أصيل من الوعي الحضاري للمصريين منذ العصور القديمة. غير أن غياب ثقافة الميادين وانتشار الأعمال النحتية في الفضاء العام دون استراتيجية واضحة حرم الناس من بناء علاقة طبيعية مع هذا الفن".
واختتم قائلًا: "فالتماثيل الميدانية ارتبطت غالبًا بالشخصيات التاريخية والزعامات السياسية، مثل تماثيل قادة ثورة 1919 أو رموز الدولة الحديثة. ورغم أهمية هذه الأعمال، فإنها ارتبطت بفكرة التمجيد التاريخي أكثر من ارتباطها بإنتاج خطاب جمالي أو تنويري واسع يخاطب الناس يوميًا".















0 تعليق