نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
رحيل رئيس اليمن بمرحلة «الرقص على رؤوس الثعابين», اليوم الأحد 31 مايو 2026 10:01 مساءً
بعد أن اندلعت الثورة بوجه نظام علي عبد الله صالح في اليمن عام 2011، عاشت البلاد آنذاك حالة من الشد والجذب، والانفلات الأمني والسياسي، ولا سيما أن أطرافا فاعلة يمنية، محسوبة على نظام صالح الذي جثم على صدر الدولة لأكثر من 3 عقود، عارضت مطالب الشارع اليمني بالتغيير، خشية خسارة نفوذها ومكاسبها التي اقتاتت عليها سنين طوال.
الرقص على رؤوس الثعابين
خلال حكم صالح لـ،33 عاما، أجاد الرجل اللعب على محاور القبيلة، التي تشكل غالبية المجتمع اليمني، وعلى عامل الترويع من فكرة عجز أي أحد غيره عن حكم اليمن. لدرجة أنه قال ذات يوم: «إن حكم اليمن يشبه الرقص على رؤوس الثعابين»، في إشارة إلى التناقضات السياسية، التي أسهم وطغمته الحاكمة بازدياد فتيلها بين أبناء المجتمع الواحد.
فزاعة الحوثي
لجأ صالح بالوقت نفسه لاستخدام فزاعة جماعة الحوثي، التي ولدت عام 1992 على يد بدر الدين الحوثي، وتحولت بعد ذلك إلى جماعة سياسية خلال 1997، إلى أن اتخذت مسارا فكريا أواخر 2001، يستند على إحياء العقيدة الزيدية، الرافضة للوجود الغربي في المنطقة، وأخذت بعين اعتبارها حشد التعاطف المحلي والإقليمي، تحت ذريعة مناهضة أمريكا وإسرائيل، وأطلقت «الصرخة» في تلك الحقبة التاريخية، التي تحولت مع الوقت إلى شعار «الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل».
بروز عبد ربه منصور هادي
ورغم كل تلك التفاصيل، استطاع الشارع اليمني فرض إرادته ورغبته على نظام صالح، وسجلت دول الخليج موقفا يحسب لها، وقدمت ما عرف بـ(المبادرة الخليجية)، التي رسمت منهجية سياسية جديدة لليمن، ونحت جانبا نظام صالح. وقد برز آنذاك اسم عبد ربه منصور هادي، الذي لقي إجماعا وتوافقا وطنيا لتولي رئاسة البلاد في تلك الأوقات التاريخية العصيبة.
ابن المؤسسة العسكرية على رأس السلطة
وهادي لم يكن طارئا على ممارسة العمل السياسي، من خلال توليه منصب نائب رئيس الجمهورية من عام 1994 حتى 2011، وقبل ذلك في 2008 شغله منصب نائب رئيس حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم وأمينه العام، إلا أن تدرجه في المناصب العسكرية، من نائب لرئيس الأركان العامة، وصولا إلى وزير دفاع، أسهم بتشكيل شخصيته القيادية، التي منحته قبولا في الأوساط المحلية والإقليمية والدولية.
مواجهة انقلاب الحوثي
ويحسب له وقوفه وتصديه لانقلاب جماعة أنصار الله «الحوثي» على الدولة والسيطرة على مفاصل الحكم في 2014، وإسهامها بانهيار مؤسسات الدولة، حينها لم يجد الرجل إلا خيار البقاء في صف الجمهورية، دون إعارة أدنى اهتمام للكلفة السياسية.
الحكمة ونداء 2015 لإنقاذ اليمن
بعد أن نفذت الجماعة المارقة انقلابها على الدولة، لم يجد الرئيس هادي بدا من مناداة العرب بقيادة السعودية، لتشكيل تحالف من شأنه دعم الشرعية اليمنية. ففي مارس 2015 وجه طلبا رسميا لدول الخليج العربي بقيادة المملكة للتدخل العسكري العاجل من أجل حماية اليمن وشعبه من انقلاب الحوثيين المدعوم من إيران، بعد أن وصلت المليشيا إلى عدن التي كان يقيم فيها «جبريا»، وهددت بإسقاط الدولة بالكامل. وفي الواقع لم يكن ذلك الطلب بحثا عن حرب أو سعيا للحفاظ على المنصب، بقدر ما هو محاولة لإنقاذ اليمن، من سقوط كامل في مستنقع مشروع طائفي مسلح، بعد أن عجزت كل الأفكار المطروحة والمبادرات السياسية، عن عن إيقاف الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.
الحفاظ على العروبة والمعركة الكبرى
بالنظر إلى التسلسل السياسي للرئيس هادي، يتضح كيف حافظ على دينه ووطنه وعروبته، ولا سيما أنه لم يبع اليمن للمشروع الحوثي، ولم يساوم على هوية الدولة، وظل حتى آخر لحظة متمسكا بشرعية الجمهورية ووحدة اليمن وحق اليمنيين في استعادة دولتهم المختطفة.
الكلمة الفصل
وفي لحظة كانت جماعة الحوثي، تتصور أن صنعاء سقطت إلى الأبد، كان لهادي الكلمة الفصل، وقد خرج إقامته الجبرية عام في عدن، ليصدح بصوت عال، أن اليمن لم يسقط وأن الجمهورية ما تزال تقاوم، ما جعل تلك اللحظة، بداية المعركة الكبرى لاستعادة الدولة.
مواجهة الضغوط ورفض سلطة الميليشيات
واجهت الدولة اليمنية في ذلك الوقت، التي كان يديرها هادي ورسم خطها ومنهجيتها السياسية رفقة دول الخليج وعلى رأسها السعودية، جميع صور الانقلاب والحرب والتشظي، ورفض كل شكل من أشكال سلطة المليشيات، وظل متمسكا بخيار الدولة، ورفض منح الانقلاب أي شرعية مهما تعاظمت الضغوط.
التخلي عن نرجسية المناصب
وبرؤية عميقة لتسليمه السلطة في 2022، يمكن إدراك أن ذلك الخيار لم يكن هروبا من المسؤولية، بل انحياز للوطن، كفله استيعاب أن الدولة والكيان الجامع للجميع أكبر من أي منصب، وأن التضحية الحقيقية، تكمن في استعادتها، لا الدخول في معارك على الكراسي والمناصب. فهو لم يبتعد بانقلاب، أو صفقة تمكنه من تحقيق مكاسب شخصية أو تاريخية، إنما كان خياره في الابتعاد عن السلطة، عبر انتقال سياسي معلن وتوافق، رعته وأسسته مشاورات الرياض، وانبرى بنهاية المطاف لوضع مصلحة اليمن فوق كل اعتبار شخصي.
المسؤولية الوطنية
ومن خلال تمحيص التفاصيل السياسية التي تختزل مرحلة تاريخية بحذافيرها ودهاليزها، ينجلي أنه - أي عبد ربه منصور هادي - قدم مسؤوليته الوطنية والتاريخية، في لحظة كانت البلاد تواجه أخطر مراحلها، ووجد أن تقديم مصلحة اليمن، يجب أن تكون على حساب أي اعتبار شخصي، وأيقن أن نقل السلطة بروح رجل دولة، سيكون له الأثر الفعال بإنقاذ الوطن، الذي يعد أهم من التمسك بالمناصب. وهذا ما يتأكد باستناده على قرار إنشاء مجلس قيادة رئاسي وتفويض صلاحياته له، وإلى دستور الجمهورية اليمنية، مقرونا بمبادئ وأهداف الثورة اليمنية، والالتزام بالتداول السلمي للسلطة، والإشراف على المهام السيادية والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.
مجلس القيادة ومواجهة الحروب
لا شك أن قرار الرئيس هادي إنشاء مجلس قيادة رئاسي، عكس الحرص على مواجهة الأزمات الإنسانية والسياسية التي نتجت عن الحروب بين أبناء الشعب اليمني، والرغبة بتحقيق الشراكة الواسعة والتوزيع العادل للثروات، وجوهر مخرجات الحوار الوطني الشامل، والحرص على ترابط الشعب اليمني بكل أطيافه.
الأثر الباقي إلى بعد حين
بعد كل ذلك، يبقى أثر الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي الذي صعدت روحه إلى بارئها أمس في الرياض، ونعاه الديوان الملكي السعودي، وقدم التعازي للشعب اليمني برحيله، شاهدا على كثير من مواقفه على صفاته القيادية؛ كشخص خاض معركة الدفاع عن الشرعية والجمهورية والوحدة بكل تفان، ثم سلم السلطة بقناعة كاملة إيمانا منه، بأن الوطن أكبر من الأفراد، وأن اليمن يستحق فرصة جديدة للخلاص والاستقرار.


















0 تعليق