متى سيتوقف نزيف القروض؟! - أقرأ 24

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الحكمة تقول "يُنسى القرض يوم استلامه، وتُشترى به راحةٌ وهميّةٌ لأيامٍ معدودة، لكنّ سداده يظلّ هماً يثقل كاهل أجيال  قادمة.

أصبح الحديث عن القروض والديون جزءًا ثابتًا من المشهد الاقتصادي المصري، حتى بات المواطن يسمع عن قرض جديد للحكومة أو تسهيل تمويلي جديد قبل أن يستوعب آثار القرض الذي سبقه.

وربما يختلف الخبراء حول جدوى بعض القروض وأوجه إنفاقها، لكن ما لا يختلف عليه أحد أن كل قرض جديد يعني التزامات إضافية تتحملها الدولة، وتتحملها معها الأجيال الحالية والقادمة التي ستدفع ثمن هذه الديون لسنوات طويلة.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: متى سيتوقف نزيف القروض؟ وسط انتقادات حادة لعدد كبير من أعضاء مجلس النواب لسياسات الاقتراض، محذرين من استمرار تضخم الدين الخارجي وما يترتب عليه من أعباء متزايدة على الموازنة العامة، وطالب النواب الحكومة بوضع خطة واضحة لوقف التوسع في الاستدانة، مع تقديم رؤية زمنية لتقليل الاعتماد على القروض الخارجية وتعزيز مصادر التمويل والإيرادات المحلية، بما يضمن تحقيق الاستدامة المالية دون زيادة أعباء الدين.

فالمواطن البسيط لا ينظر إلى الأرقام المعقدة أو التقارير الاقتصادية المطولة، بقدر ما ينظر إلى النتيجة النهائية: ديون تتزايد، وأعباء تتراكم، وأسعار ترتفع، بينما يظل السؤال معلقًا حول الموعد الذي تستطيع فيه الدولة الاعتماد على مواردها وإنتاجها واستثماراتها بدلًا من الاقتراض المستمر.

وأتذكر هنا واقعة شهيرة خلال سنوات حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، حين كتب أحد كبار الصحفيين مقالًا يطالب فيه بوقف القروض الخارجية، ولم يغضب مبارك من النقد، بل رد قائلًا إنه يقرأ الصحف ولا يضيق بالنقد، وإن الكاتب محق فيما طرحه، مؤكدًا أن الدولة كانت قد اتخذت بالفعل قرارًا بالتوقف عن التوسع في الاقتراض، مع التركيز على جذب الاستثمارات الأجنبية، بشرط أن يأتي المستثمر بأمواله وتمويله، لا أن يعتمد على الاقتراض من البنوك المصرية.

وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع سياسات تلك المرحلة، فإن الفكرة في حد ذاتها كانت جديرة بالتوقف أمامها، كيف نجذب الأموال والاستثمارات دون أن نضيف أعباءً جديدة على كاهل الدولة والمجتمع؟

فالقروض قد تكون ضرورة ملحة في بعض الظروف القهرية، وقد تلجأ إليها بعض الدول، لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول من أداة استثنائية إلى أسلوب دائم لإدارة الاقتصاد، وعندما يصبح الاقتراض هو الحل الأسرع لكل أزمة أو تحدٍ.

لقد تجاوزت الديون والقروض مستويات تثير القلق لدى كثير من المواطنين، ليس فقط بسبب حجمها، ولكن بسبب انعكاساتها على المستقبل، فكل دولار ويوروا يتم اقتراضه اليوم سيأتي يوم يجب سداده مع فوائده، وهو ما يفرض ضغوطًا مستمرة على الموازنات الحالية والقادمة.

وإذا كانت الدولة قد نجحت في تنفيذ مشروعات كبرى خلال السنوات الماضية، فإن المواطن يتطلع الآن إلى مرحلة مختلفة، مرحلة يكون عنوانها زيادة الإنتاج، وتعظيم الصادرات، وجذب الاستثمارات الحقيقية، وتقليل الاعتماد على الديون، حتى لا تظل الأجيال المقبلة رهينة لفواتير لم تشارك في صناعتها.

فالقوة الحقيقية لأي اقتصاد لا تُقاس فقط بارتفاع معدلات النمو أو بحجم المشروعات التي يتم الإعلان عنها، بل تُقاس أيضًا بمدى انعكاس هذا النمو على حياة المواطنين.

فالأرقام مهما بدت مبشرة، تفقد كثيرًا من قيمتها حين لا يشعر بها المواطن في معيشته اليومية.

لقد أصبح المواطن المصري لا يحلم بزيادة مستوى رفاهيته، بل وصل الحال بكثيرين إلى التمسك بما لديهم، والرجاء ألا تأتي زيادة جديدة في الأسعار أو الفواتير أو الرسوم، وهي معادلة تستحق التوقف أمامها طويلًا، لأن الهدف النهائي لأي سياسات اقتصادية ليس تحسين المؤشرات على الورق فقط، بل تحسين حياة الناس أنفسهم.

فالمشكلة لم تعد في الحصول على قرض جديد، بل في غياب إجابة واضحة عن السؤال الأهم: متى ستتوقف القروض؟! فالأوطان القوية لا تُقاس فقط بحجم ما تقترضه، بل بقدرتها على الإنتاج، وجذب الاستثمارات، وتحقيق التنمية التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية، لا أن تبقى مجرد أرقام تُعلن في التقارير والبيانات الرسمية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق