حياة بلا موت - أقرأ 24

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

منذ فجر التاريخ، والإنسان  يحلم بسر واحد.. أن يعيش إلى الأبد. فرعون بنى أهرامات تتحدى الزمن، والإسكندر فتح العالم بحثاً عن نبع الحياة، واليوم يجلس العلماء في مختبراتهم يطرحون نفس السؤال القديم.. هل يمكن إيقاف الشيخوخة؟

لا شك ان خلاياك لا تعيش إلى الأبد. في كل مرة تنقسم فيها الخلية، تقصر أطراف الحمض النووي التي يسميها العلماء التيلوميرات، وحين تقصر بما يكفي تتوقف الخلية عن العمل، وهنا يبدأ ما نسميه الشيخوخة. لكن الجسم نفسه يملك أسراراً مذهلة لمقاومة هذا التدهور، ومن أبرزها ذلك الجهاز الخفي الذي اكتشفه العلماء في الثمانينات، الجهاز الإندوكانابينويد، الذي يُفرز مادة الأناندامايد الطبيعية التي تحارب الالتهابات وتحمي الخلايا وتمنح الجسم توازنه الداخلي. وقد فتح هذا الاكتشاف باباً ضخماً أمام الباحثين للتساؤل عن كيفية تحفيز الجسم على إصلاح نفسه بنفسه.

و اليوم لم يعد الحديث عن إطالة العمر مجرد خيال علمي، بل أصبح صناعة بمليارات الدولارات يتسابق فيها أذكى عقول الكوكب. فدواء الميتفورمين القديم المعروف لعلاج السكري، فوجئ العلماء بأنه قد يُبطئ الشيخوخة على مستوى الخلية، وتجري عليه حالياً أكبر تجربة سريرية في التاريخ الطبي. وفي الوقت ذاته، يتجه الباحثون نحو مركب NAD+ الطبيعي الذي يتناقص في الجسم مع التقدم في العمر، ويعملون على مكملات لرفع مستواه وإعادة الخلايا إلى شبابها. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يراهن فريق آخر من العلماء على دواء الراباميسين الذي ينشّط قدرة الخلية على تنظيف نفسها من الداخل وإعادة تدويرها، في عملية يسميها العلم الالتهام الذاتي.

غير أن الأكثر إثارة من كل ذلك هو العلاج الجيني، الذي بات يُشكّل حدود المستقبل الحقيقية  في هذا الملف. الحقيقه ان الـعلماء يسعون اليوم إلى تعديل الجينات المسؤولة عن الشيخوخة مباشرة، وقد نجحت تجارب على الفئران في إطالة أعمارها بنسبة تجاوزت الخمسة والعشرين بالمئة، مما يجعل الخيال العلمي يقترب من باب المختبر بخطوات جادة.

وفي خضم هذا السباق المحموم، عاد الباحثون ينظرون إلى الطبيعة من زاوية مختلفة. فالجهاز الإندوكانابينويد الذي يملكه كل إنسان منذ ولادته يُثبت أن الجسم مُصمَّم أصلاً على الحماية الذاتية والتجدد، والمستحضرات المشتقة طبياً من هذا النظام تُظهر في الدراسات خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة، وهما العدوان الرئيسيان اللذان يسرعان الشيخوخة ويهرمان الخلايا قبل أوانها.

فهل سنعيش إلى الأبد؟ الإجابة الأمينة أن لا أحد يعلم. لكن ما باتت تعلمه العلوم يقيناً هو أن الشيخوخة لم تعد قدراً محتوماً بالضرورة، بل عملية بيولوجية قابلة للتأثير فيها وإبطائها. ربما لن نعيش إلى الأبد، لكننا قد نعيش أطول، وأهم من ذلك أفضل.

وفي النهاية تبقي كلمة:
ربما كانت الحكمة الحقيقية ليست في البحث عن حياة بلا موت، بل في البحث عن حياة تستحق أن تُعاش.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق