اختفاء رصيف النميمة - أقرأ 24

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق


 

كأعجاز نخل خاوية.. يصطففن على الرصيف كأسراب من الطيور المهاجرة المتعبة من كثرة الترحال، يجتمعن  بملابسهن وهيئتهن وحديثهن البالى؛ يناقشن أسرار منازلهن على قارعة الطريق أمام المارة، يفترشن حديثهن، يأكلن كل من هي غائبة، وحينما تقوم إحداهن يأكلنها مثلما فعلت هي معهن. 

على مدار اليوم.. يتبادلن الأدوار، تقوم هذه وتأتي غيرها، تاركات منازلهن وأعمالهن اليومية بها حتى إنهن يقمن بإعداد طعامهن في أماكنهن؛ أشهر الوفدات وأهمهن "أم جابر"  لم أرها يوما ما بعد، ولكني منذ الصغر أرى الجميع ينادونها بهذا اللقب، ومن يومها أتساءل أين هو؟ أما يكفي أن يترك أمه هنا تلقف المارة، وتسأل عن أحوالهم.
واليوم في تمام الساعة السابعة صباحا؛ هناك من حاول أن يفسد مقرهن، استيقظت أم جابر على مشهد أثار غضبها؛ فوجدت شخصا مجهولا وضع مكان مجلسهم زيتا أسود متسخا تفوح منه رائحة كريهة؛ وكأنه يأمل رحيلهن؛ 
محاولة لا بأس بها؛ لكن من يقف أمام امرأة أرادت فعل ما يتجول ويطوف في نفسها، ويستقر على رصيف تمارس فوقه طقوسها، تستحضر مجموعة من النسوة، وترأسهن يوميا دون ملل أو كلل حتى في فصل الشتاء؟! أتعجب.. ألا يتسلل البرد إلى عظامهن؟ أم أن النميمة تدفئ أطرافهن، يتجمعن ويقفن بجوار بعضهن البعض في كل شىء؛ وها هن يفترشن الكراسي على الجانبين استعدادا لليلة حناء ابنة الصديقة المقربة لأم جابر.
لم أنعم الليلة في نومتي من الضجيج، يتراقصون ويثملون حتى الصباح..
وفي اليوم التالي سيارات تطلق تنبيهات وزغاريد تحتضن الزقاق والأزقة المجاورة، متي سيرحلون؟
بعد الكثير من الأصوات العالية رحلوا؛ ورحل القلق والتوتر النفسي معهم، وسينعم جسدي النحيل بالنوم، غصت في نوم عميق، لم أشعر بأعضائي، فقط انتبهت عند صلاة الفجر، أصواتهن تقترب، قد عدن بعد الانتهاء من العرس وتوصيل 
الزوجين إلى منزلهما المجاور لهن، وتقول إحداهما للأخرى:
ـ سأخلد للنوم حتى صلاة العصر.
فتلحقها أصوات كثيرة قائلة:
ـ ونحن أيضا.
خبر سار بالنسبة لي وللقليل المتضرر من جلستهن على الرصيف، سنرتاح منهن حتى صلاة العصر، وبينما الجميع 
ينعم في نومه اختفى الرصيف نهائيا كأنه لم يكن هنا من قبل؛ صرخات وسباب هنا وهناك وعلامات تعجب:
ـ أين رحل؟!
أقام من مكانه أم اقتلع؟ جن جنون أم جابر التي لم تتحمل المشهد أمامها، أغشي عليها، صدمة لها ونصر لنا؛ منذ 
اختفائه انتهت الجلسات اليومية والنميمة، انتهى تجمع النساء صباحا ومساء، من فعلها؟ من ضاق صدره واستغل 
عودتهن منهكات من عرس ابنة إحداهن وفعلها؟! 
الغريب في الأمر كأنه اقتلع بالسحر، لا يوجد حتى آثار له ولا تكسير، فقط شارع فارغ متسع للمارة؛ شارع يعمه بعض السلام..

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق