أخبار العالم

مي التي تغيب فيحضر كل شيء: قراءة سيميائية سردية في عوالم رواية غيبة مي

جدول المحتوى

رواية “غيبة مي” للكاتبة اللبنانية نجوى بركات من النصوص الروائية العربية التي تتجه إلى تفكيك تجربة الشيخوخة والوحدة عبر بنية سردية ونفسية مكثفة.

تنشغل الرواية بما يمكن تسميته “الدراما الوجودية للوعي الفردي” في مواجهة العزلة والزمن. فالبطلة مي، التي تعيش في شقة في بيروت بعد أن غادر أبناؤها البلاد، تجد نفسها في عزلة يتداخل فيها الواقع بالذاكرة والخيال. ومن هنا، يتأسس النص على تجربة الغياب بوصفه حالة وجودية لا مجرد حدث عابر.

تحاول هذه القراءة تقديم مقاربة تجمع بين السيميائيات والسرديات، للكشف عن بنية الغياب في الرواية، واقتراح فكرة مفادها أنّ النص يكتب سردية التلاشي في المدينة الحديثة، حيث يتآكل حضور الإنسان تدريجيا داخل المكان والذاكرة.

العنوان بوصفه عتبة سيميائية

يشكّل عنوان الرواية “غيبة مي” بنية دلالية مركّبة تقوم على مفارقة أساسية: فكلمة “الغيبة” تحيل إلى الاختفاء أو الانقطاع عن الحضور، بينما اسم العلم “مي” يرسّخ الحضور الفردي. هذا التركيب ينتج توترا سيميائيا بين الحضور والغياب؛ فالشخصية موجودة جسديا في النص، لكنها في الوقت ذاته تعيش حالة انسحاب من العالم.

يمكن قراءة العنوان ضمن ثلاثة مستويات:

الغيبة النفسية: حيث تنسحب مي تدريجيا من التفاعل الاجتماعي.

الغيبة الإدراكية: المرتبطة بالخوف من فقدان الذاكرة مع التقدم في العمر.

الغيبة الوجودية: التي تشير إلى تحلل حضور الإنسان في العالم.

بهذا المعنى، يتخطى العنوان وصف حالة شخصية، ليعلن الموضوع المركزي للرواية: تحوّل الإنسان إلى أثر في الحياة اليومية.

من التجريد إلى الوجدان

ولترجمة هذا الأثر روائيا، جعلت نجوى بركات من هذه الشخصية الغائبة مركزا يحرك الذاكرة والأسئلة والمشاعر. تبدو الرواية محاولة متأخرة لفهم أثر الغياب، ليتحول هذا الغياب إلى استدعاء شديد التوتر لما مُحي، وهروب بسرعة الضوء يجعل المسافة بين الخوف والحب صفريّة.

تتحول “مي” إلى علامة دلالية؛ فقد تكون الذاكرة المنسية، أو المرأة، أو الهجرة، أو الوطن. ومع أن الرواية تُبنى على فكرة الغياب، فإنّ هذا الغياب لا يلغي حضورها بل يكثفه. غير أن هذا الحضور سرعان ما يصطدم بواقع العزلة الاختياريّة والشيخوخة؛ وحين تعبث الشيخوخة بالذاكرة، يخرج لك غول الماضي فيسحقها ويتركك مشوشا وخائفا من مصير مشابه.

ولتعميق مسارات الغياب, تقسم بركات روايتها إلى ثلاثة فصول متوالية (مي، هي، يوسف):

مي: الاسم الذي يصنع الحكاية وصورة الغائبة في الذاكرة.

هي: انتقال من الاسم إلى الضمير، مما يخلق مسافة بين السارد والشخصيّة، ويحوّل البطلة من فرد إلى فكرة ورمز.

يوسف: مرآة سرديّة تتكشف من خلالها علاقة الغياب بالحضور.

بنية السرد الداخلي وتفكك الزمن

تعتمد الرواية سردا داخليا قريبا من تيار الوعي، حيث تتحرك الأحداث عبر تداعيات الذاكرة أكثر مما تتحرك عبر الأفعال الخارجية. ومن منظور السرديات، يمكن ملاحظة ثلاث سمات أساسية:

زمن نفسي لا كرونولوجي: الزمن لا يسير خطيا، بل يتشظى بين لحظات الحاضر واستدعاءات الماضي، ليصبح زمن الوعي لا زمن الحدث.

الحدث بوصفه إدراكا: الحبكة هنا ليست سلسلة أفعال، بل سلسلة إدراكات (استرجاع ذكرى، تأمل صورة)، لتتحول الرواية إلى سرد لتجربة “الشعور بالعالم”.

هشاشة اليقين السردي: يتكرر الالتباس بين ما هو حقيقي وما هو متخيَّل، مما يضع القارئ أمام سؤال دائم: هل حدث هذا فعلا أم أنه إنتاج ذاكرة مضطربة؟

وهذا التصدع النفسي والتقني يتجسد وجدانيا في صراع البطلة مع ذاتها؛ فكم تشبه “مي” ضمير الغائب “هي”، وكأنهما توأم سيامي، جميل ومشوه، وجهان يستحيل تلاقيهما رغم الالتحام التام. هذا ما يفعله الحاضر القاسي بالماضي المرفوض، حيث يُقصي مي التي عرفت الحب يوما، لتنزوي في عتمة شقتها وصندوق صورها المخفيّ. وما إن تحضر “هي” حتى تبدأ الحكاية الأسطورية لامرأة عاشقة، تحولت مع الزمن إلى طيف ذي ألق لا يستطيع الحاضر المعيش أن يتحمله.

الشقة بوصفها علامة

الفضاء في الرواية محدود ظاهريا، لكنه غني دلاليا. فالشقة التي تعيش فيها مي ليست مجرد مكان، بل علامة سيميائية تُقرأ على ثلاثة مستويات:

الفضاء النفسي: تمثل حدود العالم الذي انكمش حول الشخصية.

الفضاء الاجتماعي: حيث يصبح العزل المكاني انعكاسا للعزلة الاجتماعية.

الفضاء الحضري: الشقة المرتفعة المطلة على بيروت تجعل مي شاهدة على عالم يتحرك من دونها، لتصبح مسرحا لعلاقة مأزومة بين الفرد والمدينة.

الشخصيات الغائبة وبنية الفراغ السردي

من اللافت أن الشخصيات الأكثر تأثيرا في الرواية غير حاضرة فعليا (الأبناء في الخارج، الأحبة في الماضي). ظهور هؤلاء عبر الإشارة يخلق “الفراغ السردي”، حيث يتأسس النص على حضور الغائبين أكثر من الأحياء.

وضمن بنية هذا الفراغ، يبرز “يوسف” كشخصية لم تُستحضر عبثا؛ فهو السوري، الهارب مثلها من حرب، المهزوم والمهجر. يوسف هو الحاضر الذي يُخصص له نصيب من الرواية ليحكي عن “مي” حين تغيب. وبهذا الحكي، تحضر مي بكامل غيابها وتقف على خشبة مسرح حياتها لمرة أخيرة، كفنانة تشرنقت غازلة من خيباتها عالما لا يسحقها، ولفظت ماضيها حتى كأنه حدث لامرأة أخرى.

الحيوان بوصفه تعويضاً عن العلاقات الإنسانية

تحتل القطة التي تعتني بها مي موقعا دلاليا لافتا. في القراءة السيميائية، يمكن اعتبارها علامة للعلاقة البديلة بعد تآكل العلاقات الإنسانية، ومحاولة أخيرة للحفاظ على القدرة على الرعاية. ورغم رفض مي الأولي لها، إلا أنها تعاطفت مع مرضها لتصبح القطة صورة مصغرة لهشاشة الحياة.

يصبح الحيوان وسيطا عاطفيا يعوّض الفراغ الاجتماعي. وربما لو تلقت مي رعاية من توأمها المهاجر، لما احتفظت بجثة القطة من دون أن تعي أنها نفقت؛ في إشارة قاسية جدا لفقدان الإحساس بالحاضر والتمسك بالماضي رغم موته.

تكشف رواية “غيبة مي” عن قدرة السرد على تحويل تجربة فردية إلى تأمل فلسفي. فعبر التداعي الداخلي، والفضاء المحدود، والشخصيات الغائبة، تكتب نجوى بركات نصا يتأمل هشاشة الإنسان في المدينة المعاصرة. لتؤكد أن الرواية لا تتحدث عن امرأة مسنّة فحسب، بل عن مصير الذاكرة الإنسانية حين تصبح الحياة اليومية شكلا من أشكال الغياب.

نادر نور الدين

أعمل كاتب محتوى منذ عدة سنوات وأمتلك خبرة في كتابة وصياغة المقالات الإخبارية والمحتوى المتوافق مع معايير تحسين محركات البحث (SEO) أهتم بتقديم محتوى دقيق وجذاب يلبي احتياجات القارئ، مع التركيز على الأسلوب الاحترافي واللغة السلسة في مختلف المجالات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى