بائع صحف ومدرس وطابع.. المهن التي صنعت والت ويتمان "شاعر أمريكا الأكبر" - أقرأ 24

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في مثل هذا اليوم، 31 مايو، تحل ذكرى ميلاد الشاعر الأمريكي والت ويتمان، أحد أبرز الأسماء في تاريخ الأدب العالمي، وصاحب ديوان "أوراق العشب" الذي أحدث ثورة في الشعر الأمريكي. لكن الطريق إلى هذه المكانة الأدبية لم يكن مفروشًا بالشهرة أو الدراسة الأكاديمية الرفيعة، بل بدأ من أعمال بسيطة ومهن متنوعة شكّلت وعيه وصقلت نظرته إلى الإنسان والحياة.

بدايات والت ويتمان

ولد والت ويتمان عام 1819 في منطقة ويست هيلز بجزيرة لونج آيلاند في ولاية نيويورك، ونشأ في أسرة متواضعة تعاني ظروفًا اقتصادية صعبة. ولم يتمكن من مواصلة تعليمه لفترة طويلة، إذ اضطر إلى ترك المدرسة في سن مبكرة للمساهمة في إعالة أسرته، لتبدأ رحلة طويلة من العمل والتجارب الحياتية التي ستنعكس لاحقًا في شعره وأفكاره.

الطباعة.. نافذته الأولى إلى عالم المعرفة

في الثانية عشرة من عمره، التحق والت ويتمان بالعمل في مجال الطباعة، وهي المهنة التي فتحت أمامه أبواب القراءة والاطلاع. وبين الحروف المعدنية وصفحات الصحف والكتب، تعرّف إلى عالم الأدب والفكر، واكتسب خبرة مبكرة في التعامل مع النصوص والكتابة.

ولم تكن الطباعة مجرد وظيفة بالنسبة إليه، بل كانت مدرسة حقيقية أسهمت في تكوين شخصيته الثقافية، ومنحته فرصة الاطلاع على أعمال كبار الأدباء والمفكرين في عصره.

والت ويتمان.. مدرس في القرى الريفية

بعد سنوات من العمل في المطابع، اتجه ويتمان إلى التدريس في عدد من المدارس الريفية في لونج آيلاند. وهناك احتك بالمجتمعات المحلية البسيطة، وتعرّف عن قرب إلى حياة المزارعين والعمال وأسرهم.

وقد تركت هذه التجربة أثرًا واضحًا في رؤيته الإنسانية؛ إذ أصبح أكثر قربًا من الناس العاديين الذين سيحتلون لاحقًا مكانة مركزية في قصائده. ولم يكن ينظر إلى الإنسان من موقع النخبة، بل من واقع المعايشة اليومية والتجربة المباشرة.

الصحافة وصوت الشارع

لم يكتف والت ويتمان بالتدريس والطباعة، بل خاض أيضًا تجربة العمل الصحفي، فعمل محررًا وكاتبًا في عدد من الصحف الأمريكية خلال أربعينيات القرن التاسع عشر، وأتاحت له الصحافة فرصة متابعة التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها الولايات المتحدة في تلك الفترة.

ومن خلال عمله الصحفي، اقترب أكثر من نبض الشارع الأمريكي وقضايا المواطنين، وهو ما انعكس في كتاباته التي احتفت بالديمقراطية والحرية والتنوع الإنساني، وجعلته واحدًا من أكثر الأدباء ارتباطًا بالمجتمع الذي عاش فيه.

"أوراق العشب".. ثمرة سنوات من التجربة

في عام 1855 أصدر والت ويتمان على نفقته الخاصة الطبعة الأولى من ديوان "أوراق العشب"، العمل الذي سيغير مسار الشعر الأمريكي. ولم يكن الديوان مجرد مجموعة قصائد، بل كان انعكاسًا لسنوات طويلة من العمل والاحتكاك بالبشر والتأمل في تفاصيل الحياة اليومية.

كسر ويتمان القوالب الشعرية التقليدية، وكتب بلغة أكثر حرية وانفتاحًا، محتفيًا بالإنسان العادي والعامل والفلاح والبحار، وهي الشخصيات التي عرفها عن قرب خلال سنوات عمله المختلفة.

والت ويتمان.. شاعر الإنسان والديمقراطية

اليوم، وبعد أكثر من قرن على رحيله عام 1892، لا يزال والت ويتمان يعد أحد أهم الأصوات الشعرية في التاريخ الأمريكي. ويعود جانب كبير من فرادة تجربته إلى تلك المهن البسيطة التي سبقته إلى الشهرة؛ فبائع الصحف والطابع والمدرس والصحفي لم يختفوا خلف الشاعر، بل ظلوا حاضرين في قصائده وأفكاره.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق