نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هيمز آند هيرز, اليوم الخميس 18 يونيو 2026 01:37 صباحاً
تعتبر "هيمز آند هيرز" منصة رعاية صحية موجهة مباشرة إلى المستهلك، تقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر: نقل جزء كبير من الزيارة الطبية الروتينية من العيادة إلى الجوال. فمن خلال المنصة، يستطيع المستخدم الوصول إلى أطباء مرخصين عبر الإنترنت، والحصول على وصفات رقمية، ثم استلام الدواء عبر صيدلية سحابية توصل العلاج إلى باب المنزل.
وتغطي الشركة مجالات متعددة تشمل الصحة الجنسية، وتساقط الشعر، والهرمونات، وإنقاص الوزن، والأمراض الجلدية، والصحة النفسية، كما أضافت مؤخرا خدمات التحاليل المخبرية المنزلية. ومنذ تأسيسها، أجرت المنصة أكثر من 50 مليون استشارة طبية، ووسعت نشاطها في الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وعدد من الأسواق الأوروبية. وفي جوهرها، تقوم الفكرة على جعل الرعاية الصحية أكثر سهولة وسرعة وخصوصية، مع محاولة تخصيص العلاج لكل فرد بحسب حالته واحتياجه.
في عام 2025، أعلنت الشركة بوضوح أن مستقبلها سيبنى على الذكاء الاصطناعي. ولم يكن ذلك مجرد شعار تسويقي، بل رسالة استراتيجية واضحة، عززتها الشركة بتعيين محمد الشناوي رئيسا للتقنية، وهو الرئيس التقني السابق لشركة كروز الأمريكية المتخصصة في سيارات القيادة الذاتية باستخدام الذكاء الاصطناعي، وصاحب خبرة طويلة تتجاوز 20 عاما في الذكاء الاصطناعي والبنية التقنية الضخمة.
ثم أرسلت "هيمز آند هيرز" إشارة أقوى إلى السوق عندما جمعت مؤخرا نحو 870 مليون دولار عبر سندات قابلة للتحويل، وخصصت جزءا من هذه الموارد لتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي، وبناء البنية البيانية، وتحسين خوارزميات العلاج المخصص. أما الرؤية المعلنة فهي أن يربط الذكاء الاصطناعي حلقات الرعاية كلها في سلسلة واحدة متصلة: من جمع البيانات، إلى فهم الحالة، إلى اقتراح المسار العلاجي، إلى وصف الدواء، ثم توصيله ومتابعة النتائج.
ما يميز تجربة "هيمز آند هيرز" أن الرهان على الذكاء الاصطناعي لا يقف عند حدود التصريحات، بل بدأ يتحول إلى أدوات عملية. من أبرز هذه الأدوات نظام ميد ماتش، الذي يستخدم تعلم الآلة لمساعدة المريض على الوصول إلى المسار العلاجي الأنسب لحالته. وتسعى الشركة إلى توسيع نطاق هذا النظام وزيادة دقته، بحيث يصبح قادرا على دعم قرارات علاجية أكثر تخصيصا مع مرور الوقت.
كما طورت الشركة وكيلا ذكيا لتفسير نتائج التحاليل المخبرية، يستطيع قراءة المؤشرات الحيوية للمستخدم، ثم تقديم رؤى صحية مخصصة بلغة مبسطة ومفهومة. والأهم أن الشركة تؤكد أن هذا الوكيل لا يشخص المرض، ولا يحل محل الطبيب، ولا يستقي إجاباته من الإنترنت المفتوح، بل يعتمد على قاعدة معرفة طبية خاصة طورت بالتعاون مع مختصين، مع الالتزام المعلن بحماية خصوصية بيانات المستخدم.
وهنا تظهر النقطة الدقيقة: الذكاء الاصطناعي في هذا النموذج لا يقدم بديلا للطبيب، بل طبقة مساعدة بين البيانات والقرار الطبي. فإن أحسن استخدامه، قد يختصر الوقت، ويقلل التشتت، ويجعل الرعاية أكثر قربا من احتياج المريض الحقيقي. وإن أسيء استخدامه، فقد يتحول إلى أداة تسويق ترتدي ثوب الطب.
سر الاستراتيجية هنا لا يكمن في التطبيق وحده، بل فيما يمكن تسميته مخزن البيانات. فكلما زاد عدد المشتركين، تراكمت لدى الشركة كميات أكبر من البيانات الصحية والسلوكية والعلاجية. وكلما زادت البيانات، أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على التخصيص والتنبؤ. وكلما تحسن التخصيص، زادت جاذبية المنصة للمستخدمين الجدد. وهكذا تدور العجلة: مستخدمون أكثر، بيانات أكثر، خوارزميات أفضل، تجربة أكثر تخصيصا، ثم نمو أسرع.
ويضاف إلى ذلك ميزة التكامل الرأسي؛ فالشركة لا تكتفي بالاستشارة عن بعد، بل تجمع تحت سقف واحد الطبيب، والوصفة، والصيدلية، والتحاليل المنزلية، والتوصيل. هذا التكامل يمنحها قدرة أكبر على التحكم في تجربة المستخدم، والجودة، والتكلفة، وفي الوقت نفسه يغذي نموذجها بالبيانات في كل خطوة من رحلة الرعاية. ولهذا فإن "هيمز آند هيرز" لا تبني منصة استشارات فقط، بل تحاول بناء منظومة صحية رقمية مغلقة نسبيا، تدور حول المستخدم من أول سؤال إلى آخر جرعة علاج.
لا تبدو الشركة مكتفية بسوقها المحلي؛ ففي عام 2026، تتجه إلى دخول تخصصات علاجية جديدة، وتوسيع حضورها العالمي من خلال استحواذات وتوسعات في أوروبا وأستراليا وكندا. كما أعلنت هدفا طموحا لعام 2030، يتمثل في الوصول إلى إيرادات لا تقل عن 6 مليارات ونصف المليار دولار.
وفي الثاني من يونيو 2026، أعلنت إتمام استحواذها على شركة يوكاليبتوس الأسترالية، وهي الشركة الأم لعلامات جونيبر (Juniper) وبايلوت (Pilot) وكن (Kin)، لتعزز بذلك مكانتها بوصفها أكبر منصة للصحة الاستهلاكية في العالم. ويوسع هذا الاستحواذ حضور الشركة عبر أستراليا وكندا وألمانيا واليابان والمملكة المتحدة، ويمثل دخولها الرسمي إلى السوق الأسترالية، بعد استحواذات سابقة على منصتي زافا ولايفويل، مع حضور متنام في فرنسا وأيرلندا وإسبانيا.
أما الحلم الأكبر الذي يتحدث عنه مؤسسها، أندرو دودم، وهو رجل أعمال أمريكي من أصل فلسطيني ولد ونشأ في مدينة سان فرانسيسكو، فهو أن تصبح المنصة العالمية الرائدة في صحة المستهلك؛ منصة يستطيع من خلالها كل شخص أن يحصل على رعاية مصممة له، أينما كان، عبر مزيج من الذكاء الاصطناعي، والخبرة الطبية المحلية، وسهولة الوصول الرقمي. إنها رؤية مغرية، لأنها تعد بتحويل الرعاية الصحية من نظام ينتظر المرضى في العيادات إلى نظام يذهب إليهم في هواتفهم ومنازلهم.
لكن الطريق ليس مفروشا بالورود. فالشركة تواجه رقابة تنظيمية متزايدة، خصوصا بعد الجدل الذي رافق أدوية إنقاص الوزن، وانتهاء شراكتها مع نوفو نورديسك. كما أن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الطب يفتح أسئلة صعبة لا يمكن تجاهلها. هل ستكون توصيات الخوارزميات دقيقة وآمنة دائما؟ من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟ كيف تحمى البيانات الصحية شديدة الحساسية؟ وهل يعرف المستخدم بوضوح متى يتعامل مع طبيب، ومتى يتعامل مع نظام ذكي، ومتى يتلقى محتوى ذا طابع تسويقي؟
والإنصاف يقتضي القول إن الوعد كبير، فالمنصات الرقمية قادرة على سد فجوات حقيقية في الوصول إلى الرعاية، خاصة في الحالات الروتينية والمزمنة والمتابعة المستمرة. لكنها في الوقت نفسه قد تخلق فجوات جديدة إذا تحولت العلاقة الطبية إلى تجربة استهلاكية سريعة، أو إذا أصبح القرار العلاجي مدفوعا بخوارزمية لا يفهم المريض حدودها.
في النهاية، تبقى "هيمز آند هيرز" نافذة واضحة على شكل محتمل لطب الغد: طب رقمي، استباقي، مخصص، تقوده الخوارزميات وتغذيه بيانات الملايين. غير أن نجاح هذا النموذج لن يقاس بعدد المشتركين فقط، ولا بسرعة نمو الإيرادات، بل بقدرته على كسب الثقة، وحماية المريض، وتقديم رعاية آمنة لا مجرد تجربة تقنية جذابة.
nabilalhakamy@


















0 تعليق