من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب والرواد في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
استيقظتْ سوسن
استيقظتْ سوسن وهي تشعر أنها تكره زوجها جدًا! قلبها يشتعل غضبا وعيناها متأججتان بالمرارة، لا تتذكر بالضبط ما الشعور الذي نامت عليه لتصبح على تلك الحالة! لكنها ما إن استفاقت حتى شعرت بالاختناق وبرغبة مُلحة في البكاء والصراخ؛ لذا نادت على زوجها بصوتٍ يتأجج حنقا، وحين لم تسمع له حسًّا، أزاحت الغطاء في حركة عصبية وهي تنتوي افتعال معركة كبيرة معه، جذبتْ عصاها المستقرة دائما بجوار الفراش، توكأت عليها بحذرٍ متوجهة نحو الحجرة التي أصبحت مستقرا لزوجها منذ بضع سنوات، لكنها انتبهت لصينية مستديرة.. ملأى بالطعام على مائدة السفرة، تأففت.. وزاد حنقها وهي تسب زوجة ابنها في سرها "كم أنتِ غبية وعنيدة يا مريم.. لقد حذرتك من قبل ألا تدخلي الشقة وأنا نائمة لتضعي الطعام.. ومع ذلك لا تحترمي رغبتي.. إن طعامك سيئ للغاية ولا أستسيغه... آاه منك.. أفهم دماغك الخبيثة جيدا، إنكِ تطمحين أن تكوني ست البيت بدلا مني.. لكنني لن أمنحك الفرصة أبدا".
وبينما هي تخطو بتؤدة في الردهة.. تقافزت أمامها العديد من المعارك التي نشبت بينها وبين زوجها، وتراءت أمامها المشاحنات الكلامية التي تتحول بقدرة قادر لحربٍ حامية الوطيس قد تصل منتهاها إلى ما لا تحمد عقباه.
زفرت متحسرة وهي عند باب الحجرة، هتفت تعاتبه كأنه يقف أمامها: "منذ زواج ابننا وأنت تنام في حجرته، تتعلل بالحجج الواهية كي تبتعد عني، ولا تسمح لي بالاقتراب منك إلا حين أدهن جسدك المتهدّل بكريم الروماتيزم".
كان الفراش خاويا إلا من منامته القطنية، فاستنتجت أنه ذهب إلى المقهى ليجالس أصدقاءه الذين لا تحبهم... ولا تحب زوجاتهم المتعاليات، فهن لا يفوتن الفرصة كي يتباهين بأساورهن الذهبية والساعات ذات الماركات، فتشعر بضآلتها، وتدعو الله أن يعتقدن في قرارة أنفسهن أن أساورها الرخيصة من الذهب الخالص وليست ذهبا صينيا رديئا، لكن دعاءها قد خاب مسعاه ذات يوم، حين ألمحت واحدة منهن أن أساورها تبدو كالحقيقية مع أنها ليست كذلك، بدت نبرتها خبيثة ونظراتها شامتة، فأسرت سوسن شعورها بالمهانة ولم تعقب، وانزوت في ركن بعيد وهي تتصنع قيامها بمكالمة مهمة لابنها الوحيد.
جلست على الفراش، ثم جعدت بيجامة زوجها بيدها، وانخرطت في بكاء حارق، ذاكرة القلب عامرة ولا تنسى أنه تنقل من امرأة لأخرى، ما بين زميلات العمل والجارات وحتى الصديقات المقربات، صاحت بصوت عالٍ كأنها تواجهه "لقد سمعتك تحدثهن، وعندما واجهتك.. أنكرت واتهمتني بالجنون، لكنك اضطررت للاعتراف في المرة الأخيرة، وصارحتني أنك ستتزوج من فتاة بعمر ابنك، فسقطت صريعة للمرض" .
ارتفع نشيجها، واشتعلت رغبتها بالعراك معه، فاتصلت به وهي على حافة الغليان، لكن هاتفه كان مغلقا.
****
استيقظت سوسن وهي تشعر بشوقٍ عارم نحو زوجها، ابتسمت في هيامٍ متذكرة أيامها السعيدة معه، راحت تناديه بصوت رقيق، لكنه لم يرد عليها، فأبعدت الغطاء عن جسدها برفق، واتكأت على عصاها، ثم دقت بها الأرض دقاتٍ متناغمة متجهة نحو الردهة، استندت على مائدة السفرة، ابتسمت ناظرة إلى صينية مستطيلة تمتلئ بالطعام، تمتمت ممتنة "إن مريم رائعة حقا، تخاف عليّ كثيرا، ولا تحب إزعاجي؛ لذا تفتح الباب في هدوء وتضع طعامها الشهي، لقد ناشدتني كثيرا أن تبيت معي كي تطمئن عليّ في أثناء الليل، لكنني رفضت، خشيت أن يصبح زوجي على غير راحته، خصوصا أنه يجلس طوال النهار بملابسه الداخلية تجنبا للحر، مريم حقا طيبة القلب.. وابني محظوظ بها... هذه بركة دعائي له بالزوجة الصالحة".
نادت زوجها تارة أخرى وذكرياتها معه تتقافز أمام عينيها، لقد تزوجا عن حب كبير لا زالت تحكي عنه بفخر أمام الجميع، صممت عليه رغم اعتراض الأسرة، رأوا فيه الشاب المدلل ذا العلاقات النسائية العديدة، ورأت فيه الشاب الوسيم الذي تحسدها عليه الفتيات، سدت أذنيها عن أي كلام ينتقص من قدره، استمعت فقط لنداءات قلبها الذي لم يحب سواه.
عبرت الردهة والمشاهد الحالمة تتواتر أمامها، فهنا كانت تجلس بين أحضانه وهما يشاهدان فيلما رومانسيا قديما، وهنا كانا يتبادلان الابتسامات أمام خطوات ابنهما الأولى، وهنا كانت تطعمه بيديها، فيباغتها بتقبيل أناملها، وهنا.. وهنا.. وهنا، إنه الحب الذي جعلها لم تتأخر عنه حين تعرض لمشكلة مالية كبيرة، وهبته ذهبها عن طيب خاطر ليفك أزمته، واضطرت أن تستعيض عنه بذهب صيني، وهو أقسم لها أنه سيعوضها في القريب العاجل.









0 تعليق