عندما التقينا بالعميد طلال الشلهوب المتحدث الأمنى لوزارة الداخليه السعوديه بمشعر منى، كان المطلب الوحيد الذى تحدث عنه الرجل بكل وضوح وصراحه هو
أن يكتب كل صحفى وإعلامى الحقيقه - والحقيقه فقط - قالها أكثر من مره.. قال نحن هنا لانريد منكم أن تنقلوا الا ما تشاهدون على الأرض لا أكثر ولا أقل.. كان العميد يقول ذلك موجها حديثه إلى المراسلون الدوليون الذين جاءوا من دول مختلفه من المنطقه العربيه ومن جنوب شرق آسيا ومن أوروبا وكندا..
تعجبت من كلام المتحدث الأمنى لأن الحقيقه التى نراها على الأرض لا يمكن لأحد أن يتجاهلها أو يتلاعب بها.
لكن ما حدث من "فرانس 24"
التى تعد القناه الإخباريه الأشهر فى فرنسا جاء مخالفا لكل هذا.
عندما قرات التقرير الذى نشرته القناه حول تغطية مناسك الحج أدركت لماذا طلب العميد الشلهوب الحقيقه.
سقطت" فرانس 24 "فى تغطية موسم الحج.. من أول وهله تشعر أن كاتب التقرير يدس السم فى العسل.. ومن أول سطر تستطيع أن تحكم على كاتب هذا التقرير.
يقول عنوان التقرير الذى لم يحمل اسم كاتبه وإنما اكتفوا بالاشاره إلى أنه من مكتبهم فى الشرق الأوسط "آلاف الحجاج يغادرون مكه بعد استكمال مناسك الحج وسط حراره مرتفعه وتوتر إقليمى" والسؤال الذى يتبادر إلى الذهن ماهى العلاقه بين مناسك الحج والتوتر الإقليمى.. الحجاج أدوا المناسك وسط حاله من الأمن والأمان الكامل، ولم يشعر واحدا منهم بحكاية التوتر الإقليمى التى تحدث عنها التقرير.. هذا بالإضافه لكون السعوديه امنه.. فهى بلد الأمن والأمان.. بلدا آمنا بوعد الهى ورد فى القرآن الكريم.
الأمر الثانى هو الحديث عن الحراره المرتفعه، ونسى كاتب التقرير أننا فى أفضل مواسم الحج من حيث الطقس لأن موسم حج هذا العام جاء مع نهاية فصل الشتاء ودخول الصيف وهو ما جعله موسم حج استثنائى فى كل شئ، وأن الحراره التى يتحدث عنها كاتب التقرير تركزت فقط فى وقت الظهيره ساعتين فى اليوم.. وتجاهل كاتب التقرير الاستعدادات السعوديه من خلال توزيع المظلات على الحجاج وتشغيل الرشاشات فى عرفات ومنى وعلى الطرق المؤديه بينهما بالإضافه الى التجهيزات اللوجستيه داخل المخيمات فى عرفات ومنى.. تجاهل التقرير "سهوا أو عمدا" كل هذا وذهب يتحدث عن الحراره المرتفعه وكأنها كانت السمه الأساسيه المسيطره على الحج.
وعندما نترك العنوان ونذهب إلى أول كلمه فى التقرير نكتشف منذ اللحظة الأولى أن هناك شعور ما يسيطر على كاتبه.. فهو يبدأ التقرير بكلمة آلاف الحجاج حيث قال "بدأ آلاف الحجاج الجمعه مغادرة مدينة مكه السعوديه بعد أن أتموا مناسك الحج" وهنا تجاهل كاتب التقرير الحقيقه وهو ان الحديث عن الحجاج يكون بعشرات أو مئات الآلاف حسب السياق.. لان عددهم يفوق المليون و700 الف .
وفى الفقره الأولى من التقرير تحدث الكاتب عن مضمون العنوان من الحراره المرتفعه والتوتر الإقليمى وكلها إشارات هلاميه لا تستند إلى واقع ثم انتقل مباشرة فى نفس الفقره إلى الحديث عن الحجاج الإيرانيين حيث أشار إلى وجود انخفاض ملحوظ فى أعداد الحجاج الإيرانيين وصل الى ثلث العدد المتوقع.
ولا أدرى ما هو تأثير انخفاض أعداد الحجاج الإيرانيين إلى 30 الف وسط مليون و700 الف.. هذه واحده.. اما الثانيه فكان ينبغى الاشاره إلى الأسباب وكلها تتعلق بايران والظروف التى كانت تمر بها.. اما الثالثه فكان عليهم فى هذه القناه الفرنسيه ان يتطرقوا عند الحديث عن هذه النقطه إلى الإشاده الإيرانيه بالجهود السعوديه خاصه فيما يتعلق بحسن التنظيم والسرعه فى إعداد الترتيبات اللوجستيه للحجاج الايرانيين والتى شملت 223 رحله جويه وتجهيز 16 فندق فى المدينه المنوره و 24 فندقا فى مكه المكرمه.
أما الفقرة الصادمة فى التقرير تلك التى تحدثت عن ظاهرة الافتراش فى المناسك.. فعلى الرغم من أن التقرير أشار على استحياء إلى نجاح السلطات السعوديه فى القضاء على الحجاج غير النظامين.. الا أنه تناول بخبث ظاهرة الافتراش قائلا : "لوحظ هذا العام قلة الحجاج الذين يفترشون الطرق" وهنا يظهر سوء النيه لأن ظاهرة الافتراش تكون أمر واقع وملموس .. وعندما تنجح السلطات السعوديه فى القضاء على الظاهرة بنسبة مائه فى المائه وهو الأمر الذى ظهر جليا سواء فى عرفات أو منى حيث لم نشاهد حالة افتراش واحده.. حتى بعض الباعه الجائلين الذين كانوا يتواجدون على جانبى الطريق من عرفات إلى المزدلفه بعد النزول من عرفات لم يكن لهم وجود واختفوا تماما، وعندما سالت المتحدث الأمنى لوزارة الداخليه عن ذلك قال نعم اختفوا لكننا قدمنا البديل.. فقلت له نعم كان هناك مراكز تابعه للجمعيات على جانب الطريق توزع الهدايا على الحجاج من وجبات جافه ومياه مثلجه وعصائر وحتى الايس كريم.
بعد كل هذا تتحدث "فرانس 24 " عن قلة الحجاج الذين يفترشون الطرق ومعنى كلمة "قله" التى جاءت فى التقرير هو أن ظاهرة الافتراش موجوده لكن بعدد قليل.. لكن الحقيقه هو أن هذه الظاهره اختفت تماما ولم يعد لها وجود.
أما آخر الخطايا التى ارتكبتها القناه الفرنسيه كانت تلك اللقاءات التى أجرتها مع عدد من الحجاج منهم مصرى وجزائرى فقد اقتصر الحديث عن الشعور بالفرحه والتعبير بالدموع على آداء شعيرة الحج ولم يتطرق التقرير اطلاقا إلى شكر المملكه على الجهود الكبيره المبذوله من أجل راحة الحجاج، والشئ المؤكد هو أننا جميعا مصريين وجزائريين وجميع الجنسيات من مختلف أنحاء العالم لا يمكن أن ننسى تفانى المملكه بدءا من الملك سلمان بن عبد العزيز وولى العهد محمد بن سلمان ووزراء اللجنه العليا للحج والشعب السعودى نفسه.. الجميع كانوا فى خدمة ضيوف الرحمن بفخر وشرف وأمانه.
كنت أتمنى أن تحذو "فرانس 24 " حذو وسائل الإعلام العالميه الكبرى التى جاءت تغطيتها بكل حياديه وشفافيته ولم تقل غير الحقيقه التى كانت المطلب الوحيد لمتحدث الداخليه.. فقد أشارت صحيفة لوس أنجلوس تايمز إلى أن التجمع الضخم للحجاج الذين تجاوز عددهم 1.7 مليون حاج يمثل نجاحا لوجستيا كبيرا حيث أدى الحجاج مناسك الحج بنجاح بما فى ذلك التجمع المهيب على جبل عرفات، بينما قالت صحيفة نيويورك تايمز لقد تمكنت السعوديه بكل جداره من إدارة التدفق الهائل من الحجاج، وأكدت" بى بى سى " قيام المملكه بنشر مئات من وحدات التبريد وأنظمة الرذاذ محطات المياه لحماية الحشود التى تتحرك بين مكه والمدينه وجبل عرفات، كما نجحت السلطات السعوديه فى الحد من تدفق الحجاج غير النظامين.
ومن جانبها أشارت محطة" سى ان ان" إلى نجاح الأجهزه المختلفه من الجوازات والوكالات البلديه فى الحفاظ على معايير امنيه صارمه وقالت ان الحجاج اكدوا شعورهم بالأمان الكامل على الرغم من الخلفيات الجيوسياسيه الاقليميه.
أما محطة CBS فقد ركزت على إدارة الحشود باستخدام الذكاء الإصطناعى وشبكات التتبع وهو ما ساهم فى توزيع المواد الغذائيه بسلاسه.
وأشادت وكالة الأنباء الاندونيسيه بجهود الحكومه السعوديه فى تجهيز المرافق ووسائل النقل وأعرب مدير أخبار الوكاله عن تقديره للحكومه السعوديه، وتحدثت الصحف الباكستانيه عن النجاح المبهر فى تجهيز أماكن الإقامه ووسائل النقل وإدارة أكثر من 41 الف حافله.
أما الصحف والقنوات المصريه فقد أجمعت على أن موسم حج هذا العام كان متفردا فى كل شئ، خاصه فى إدارة الحشود وتجهيز الطرق من عرفات إلى مزدلفه ومنى وكذلك إدارة حركة الحافلات واستخدام الذكاء الإصطناعى فى تقديم الخدمات.
لم تأتى هذه الإشاده العالميه من فراغ..وصورة الحج كما شهدها العالم.. كان وراءها مجهودات كبيره.. صحيح أن الحقيقه على الأرض كانت واضحه .. لكن الحقيقه وحدها لاتكفى.. وبدون الإعلام فلن تتعدى هذه الحقيقه حدود المناسك التى شهدت تجمع الحجاج.. من هنا كان دور وزارة الإعلام السعوديه.. لقد بذلت الوزاره مجهودات كبيره بدأت بإطلاق هوية الحج الإعلاميه "حياكم الله"، وعقد المؤتمر الصحفى الحكومى بحضور 5 وزراء تم خلاله استعراض الاستعدادات لموسم الحج، ثم كانت الانطلاقه الكبرى ب 700 ساعة بث مباشر عبر 8 قنوات تليفزيونيه واذاعيه، بالإضافه الى استفادة أكثر من 400 ضيف واعلامى من استوديوهات منى.
كما قام وزير الإعلام سلمان الدوسرى بجولات استباقيه على غرف الاخبار ومراكز العمليات والإشراف على تعاون وكالة واس مع 25 وكاله انباء دوليه، كما استقبل ملتقى إعلام الحج أكثر من 13 الف اعلامى وزائر وبمشاركة أكثر من 30 جهه حكوميه وخاصه وأكثر من 120 إعلاميا وصانع محتوى دولى استضافتهم الوزاره.. ونجح الدكتور خالد الغامدى وكيل وزارة الإعلام للعلاقات الإعلاميه الدوليه فى أن يجعل من المراسلين الدوليين سفراء للملكه فى بلادهم.
لقد جاء الإعلاميين من كل أنحاء العالم لتغطية أعظم الشعائر وكلهم على يقين بحجم وعظم المسئوليه.. وزاد من حماسهم مقولة الوزير سلمان الدوسرى "ان موسم الحج يمثل أعظم رساله ايمانيه وإعلاميه تخاطب البشريه" .


















0 تعليق