المشير عبد الحكيم عامر ابن المنيا.. لغز "الرجل الثاني" ومتاهة يونيو الدامية - أقرأ 24

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

​بين طموح ثورة يوليو 1952 ، ومرارة الإنكسار، تظل سيرة المشير عبد الحكيم عامر، إبن قرية إسطال بمركز سمالوط، شمال محافظة المنيا، واحدة من أكثر فصول التاريخ المصري المعاصر تعقيداً وتشابكاً ، لم يكن عامر مجرد قائد عسكري عابر، بل كان "الرجل الثاني" الذي يرى كثير من المؤرخين والشهود أنه شاطر الزعيم جمال عبد الناصر الحكم، ليكون في كثير من الأحيان بمثابة "الرجل الأول" داخل مؤسسة الجيش، وصاحب النفوذ الطاغي الذي تداخلت فيه الصداقة الإنسانية العميقة بصراعات السياسة والبقاء.

 

​من "أسطال" إلى قمة الهرم السياسي

​في قلب صعيد مصر، وتحديداً بقرية "أسطال" التابعة لمركز سمالوط بمحافظة المنيا، نبتت جذور عائلة "عامر"؛ العائلة التي لم تكن بعيدة عن المشهد العام، فشقيقه مصطفى عامر ظل نائباً برلمانياً يمثل الدائرة لثلاثة عقود، ولثقل العائلة الإجتماعي والقبلي.

 

كانت "عزبة خديجة" بإسطال مسقط رأس المشير عبد الحكيم عام ، شاهدة على محطات اجتماعية وسياسية هامة، لعل أبرزها الزيارة التاريخية للرئيس محمد أنور السادات لاحقاً، لإتمام الصلح في النزاع الشهير بين عائلة عامر وعائلة "المكادية".

 

​من هذه البيئة الصعيدية ذات الخصوصية، انطلق عامر إلى الكلية الحربية، حيث بدأت "عِشرة العمر" مع جمال عبد الناصر. لم تكن العلاقة مجرد زمالة سلاح، بل تحولت إلى توأمة سياسية؛ فكان عامر بمثابة القلب النابض لتنظيم "الضباط الأحرار"، والمخطط الميداني الذي أدار بحنكة مفاصل السيطرة على الجيش ليلة الثالث والعشرين من يوليو 1952. 

 

ومع نجاح الثورة، و التصدي للعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ، قفز عامر قفزة استثنائية في الرتب العسكرية من رتبة "صاغ" (رائد) إلى رتبة "لواء"، ليتولى القيادة العامة للقوات المسلحة وهو في عنفوان شبابه، نائباً لرئيس الجمهورية، ووزيراً للحربية، وقائداً لجيش الوحدة بين مصر وسوريا.

نفوذ بلا حدود.. والشائعات التي لاحقت "المشير"

​على مدار سنوات المد القومي، كان المشير هو الحليف الأول والمؤتمن لعبد الناصر، تمدد نفوذه ليتجاوز الثكنات العسكرية إلى إدارة ملفات سياسية واقتصادية ورياضية معقدة، وبطبيعة الحال، فإن شخصية بهذا الحجم من النفوذ والجاذبية لم تسلم من ملاحقة الشائعات؛ حيث روجت بعض الدوائر لقصص وحكايات تربطه بنجمات الفن في ذلك الوقت، وهي الروايات التي دحضتها الوقائع التاريخية والمقربون، مؤكدين أنها لم تخرج عن إطار المناكفات السياسية ومحاولات التشويه الممنهج التي تتبع الصعود المذهل للشخصيات العامة، بينما ظل تركيز الرجل مصبوباً بالكامل على شبكة النفوذ المعقدة داخل أروقة الحكم.

زلزال 1967.. وحرب الإستنزاف: الرد الذي أعاد الثقة

​سارت الأمور في مسار صاعد حتى وقعت الواقعة في يونيو 1967، لم تكن النكسة مجرد هزيمة عسكرية، بل كانت شرخاً عميقاً في جدار الصداقة الأسطورية بين ناصر وعامر، تجسدت مرارة الهزيمة في صراع مكتوم حول تحديد المسؤوليات؛ حيث خضع عامر للإقامة الجبرية والتحفظ عليه واستدعاء أهليته من الصعيد، ليدخل التاريخ في نفق مظلم من التساؤلات.

 

​ولكن وسط هذا الغليان والإنكسار، فاجأ الشعب المصري العالم أجمع في يومي 9 و10 يونيو، برفض تنحي عبد الناصر، والتمسك بخيار المقاومة، هنا، وبدل أن يكون اليأس هو النهاية، ولدت من رحم الوجع ملحمة "حرب الإستنزاف". 

 

جاء الرد المصري سريعاً وباسلاً في معركة "رأس العش" التي حطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وتلاها الحدث الزلزال بتدمير المدمرة الإسرائيلية "إيلات"؛ ليكون هذا الصمود العسكري والإلتفاف الشعبي هو الرد الأقوى الذي أعاد الثقة للمصريين، وأثبت للعالم أن صدمة يونيو كانت "كبوة مقاتل" وليست نهاية الطريق.

 

​لغز سبتمبر المثير: انتحار أم تصفية؟

​في سبتمبر من نفس العام (1967)، أُسدل الستار درامياً على حياة المشير عبد الحكيم عامر، خرجت الرواية الرسمية لتؤكد غيابه عن الدنيا عن طريق "الإنتحار" بتناول السم ، وهي الرواية التي واجهت وما زالت تواجه تشكيكاً واسعاً من الشارع المصري ومن عائلته بالمنيا .

 

​سؤال التاريخ المستمر:

هل كان المشير عبد الحكيم عامر “كبش فداء ” لظروف سياسية وعسكرية تجاوزت الجميع؟ أم أن أسرار الصراع على البقاء في قمة السلطة فرضت نهاية حتمية غيبت الحقيقة في بطن غامض؟

 

​برحيل ابن المنيا ومؤسس الجمهورية الأول برفقة ناصر، بقيت سيرته مادة خصبة للتحليل، تجمع بين عبقرية التنظيم وثقل النفوذ الإجتماعي، وبين تراجيديا النهاية التي تركت الباب موارباً أمام المؤرخين للبحث عن الحقيقة المستخفية وسط أسرار التاريخ.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق