خطوات التخطيط الاستراتيجيّ أثناء الهجرة النبوية وقبلها - أقرأ 24

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تمثل الهجرة النبوية نموذجًا خالدًا في التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات؛ فقد جمع النبي ﷺ بين التوكل المطلق على الله والأخذ المتقن بالأسباب، ولم تكن الرحلة خروجًا عفويًّا، بل تحركًا مدروسًا بعناية، تجلى في كتمان السر، وتوظيف الكفاءات، وتوزيع الأدوار، واستخدام التمويه لإرباك الخصوم، حيث يقدم هذا الحدث الجليل دروسًا عملية لكل طامح، ليثبت أن الأهداف الكبرى تتطلب إعدادًا محكمًا وتوكلًا صادقًا.


مفهوم التخطيط الاستراتيجي للهجرة  

التخطيط الاستراتيجي هو وضع خطة محكمة بعيدة المدى لتحقيق هدف معين، مع توقع العقبات وإعداد البدائل، وتمثل الهجرة النبوية أروع نموذج في التاريخ للتخطيط الاستراتيجي الناجح؛ فجناب النبي ﷺ لم يخرج من مكة فجأةً أو عفويًّا، بل أعد لها إعدادًا دقيقًا استمر عدة أشهر.

بدأت ملامح هذا التخطيط مبكِّرًا ببيعة العقبة الثانية التي مهدت الأرضية الحاضنة، وانتهت بليلة الهجرة التي أُحبطت فيها كل خطط المشركين، لقد أثبتت الهجرة أن التوكل الحقيقي على الله لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب وتدبير الأمور تدبيرًا مُحكَمًا، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رضي الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال للأنصار: «تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللهِ لَا تَأْخُذُكُمْ فِيهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ يَثْرِبَ، فَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمُ الْجَنَّةُ» [مسند أحمد: (١٤٦٥٣)].


التخطيط الاستراتيجيّ قبل الهجرة

شمل التخطيط المسبق خطوات دقيقة على مستوى الاستخبارات، واختيار التوقيت، والإعداد البشري والمادي قبل ساعة الصفر:

الاستخبارات ومراقبة العدو: كان النبي ﷺ على علم تام بنوايا قريش، خاصة بعد اجتماعهم في دار الندوة واتفاقهم على أن يأخذوا من كل قبيلة فتًى فيضربوه ضربة رجل واحد.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعُوا لَهُ، وَفِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ... خَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، أَنْتَ أَحَدُهُمْ. وَأَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَبْصَارِهِمْ عَنْهُ، فَلَا يَرَوْنَهُ، فَجَعَلَ يَنْثُرُ ذَلِكَ التُّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُوَ يَتْلُو هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ يس: ﴿یسۤ * وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِیمِ * إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ * عَلَىٰ صِرَٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ﴾ [يس: ١-٤]... حَتَّى فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا. [سيرة ابن هشام ١/ ٤٨٣]. فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذۡ یَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لِیُثۡبِتُوكَ أَوۡ یَقۡتُلُوكَ أَوۡ یُخۡرِجُوكَۚ وَیَمۡكُرُونَ وَیَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَیۡرُ ٱلۡمَٰكِرِینَ﴾ [الأنفال: ٣٠].

اختيار التوقيت والكتمان الشديد: اختار حضرة النبي ﷺ السير نهارًا وقت الظهيرة الشديد (الهاجرة) لقلة التحرك في الأسفار، وكتم الوجهة عن الجميع إلا أبا بكر الصديق، تروي السيدة عائشة رضي الله عنها:

"أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ فِي سَاعَةٍ كَانَ لَا يَأْتِي فِيهَا... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ وَالْهِجْرَةِ»، قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الصُّحْبَةَ»، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ يَبْكِي! ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ هَاتَيْنِ رَاحِلَتَيْنِ كُنْتُ أَعْدَدْتُهُمَا لِهَذَا" [السيرة النبوية لابن كثير: (٢/٢٣٣)].

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق