بيان الأفضلية بين إطالة الركوع والسجود في الصلاة - أقرأ 24

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من المقرر شرعًا أن الاعتدال بين أركان الصلاة من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مما يحسن فيها، ولا أفضلية لركن على ركن في الأداء؛ لكون جميعها مأمورًا بها لا تتم الصلاةُ ولا تصِحُّ إلا به، أما إذا رغب المصلي في الإطالة في أحد أركانها عن البَقِيّةِ، فإن الأفضلية في ذلك ترجع في أيٍّ منها إلى ما يجد من حضور قلبه، ويخشع لربه، ويحقق مقصوده، فإن كان حاله حال التعظيم والخوف من الله كانت الإطالة في الركوع أفضل لحاله؛ لكونه مقام التعظيم إن تحقق من وجود قلبه به، وإن كان حاله حال الرجاء والدعاء كانت الإطالة في السجود أفضل؛ لكونه مقام الدعاء إن تحقق من وجود قلبه به أيضًا.

مكانة الصلاة في الإسلام وحرص الصحابة عليها

تَعْظُم أفضلية الصلاة على سائر ما شرع الله تعالى من عبادات؛ إذ هي عماد الدين وقوامه، وأهم ركن من أركانه بعد الشهادتين، وأحبُّ الأعمال التي يُتَقربُ بها إلى الله تعالى، فعَنْ عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ عِنْدَ اللهِ فِي الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَلَا دِينَ لَهُ، وَالصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّين» أخرجه الإمام البيهقي في "شعب الإيمان".

ولعظم مكانة الصلاة وأفضليتها حرص الصحابة رضي الله عنهم على تأديتها على أتمِّ وجهٍ وأكملِه، متأسّين في ذلك بصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الهيئة والصفة والوقت؛ تطبيقًا لأمره صلى الله عليه وآله وسلم؛ حيث قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه"، ولما علموا من أنه لا تمام ولا كمال يرومه أو يتغياه إنسان في شيء من عبادته إلا إذا كان متبعًا في ذلك هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسنته الشريفة.

وبلغ من حرصهم على اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن اعتَنَوْا بتقدير وقت صلاته؛ في قيامه، وركوعه، وسجوده، وكانوا يتناقلون ذلك فيما بينهم؛ حتى إذا رَغِبُوا في الامتثال به عَلِمُوا كيف يُصَلُّونَ مثل صلاته، ملتزمين في ذلك بِطُولها وقِصَرِهَا وهيئتها.

فعن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى»، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ. أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه".

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كُنَّا نَحْزِرُ قِيَامَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؛ فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ: الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ" أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه".

قال العلامة مظهر الدين الزَّيْداني في "المفاتيح في شرح المصابيح" (2/ 130، ط. دار النوادر): [قوله: "نحزِرُ"؛ أي: نقدِّرُ، (الحَزْر): التقدير] اهـ.

هدي النبي عليه السلام في المفاضلة بين أركان الصلاة

من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته أنه لم يكن يفاضل بين أركانها، فقد كانت صلاته معتدلة، ومتقاربة الأركان، فلا يكاد يزيد وقت ركن فيها عن الآخر؛ ممَّا يزيد حسن الصلاة واتساقها.

فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، مَا خَلَا القِيَامَ وَالقُعُودَ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ" أخرجه الإمام البخاري في "الصحيح".

وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: "مَا صَلَّيْتُ خَلْفَ أَحَدٍ أَوْجَزَ صَلَاةً مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فِي تَمَامٍ، كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ مُتَقَارِبَةً، وَكَانَتْ صَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ مُتَقَارِبَةً، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه مَدَّ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» قَامَ؛ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَوْهَمَ، ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ؛ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَوْهَمَ" أخرجه الإمام مسلم في "الصحيح".

قال العلامة مظهر الدين الزيداني في "المفاتيح في شرح المصابيح" (2/ 143): ["قريبًا من السواء"؛ أي: قريبًا من التماثُل؛ أي: يُشبه بعضُها بعضًا] اهـ.

وقال الشيخ ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (23/ 114-115، ط. مجمع الملك فهد): [وتحقيق الأمر: أنَّ الأفضل في الصلاة أن تكون معتدلة. فإذا أطال القيام يطيل الركوع والسجود كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي بالليل؛ كما رواه حذيفة وغيره. وهكذا كانت صلاته الفريضة، وصلاة الكسوف، وغيرهما كانت صلاته معتدلة] اهـ.

وقال العلامة ابن رجب الحنبلي في "فتح الباري" (5/ 54، ط. دار ابن الجوزي): [معنى هذا: أنَّ صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت متقاربةً في مقدارها، فكان ركوعه ورفعه من ركوعه وسجوده ورفعه من سجوده قريبًا من الاستواء في مقداره] اهـ.

فالأفضل أن تكون صلاة المصلي متساوية أو متقاربة في وقت أركانها وألا يُبَالغ في إطالة ركن عن بقية الأركان مبالغة تخرجه عن حد الاتساق والموالاة بينهم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق